لمحة عن بطل عراقي في صنعاء اشتهر بعبارته (حبلناها وستلد ) / كتب : ا.د كريم فرمان

تحكايةانيد ميديا :   الضابط العراقي جمال جميل الذي اشتهر في صنعاء بعبارته (حبلناها وستلد )

هذه العبارة حبلناها وسوف تلد رغم مرور ازيد من 75عام على موت قائلها لكنها بقيت محفورة في وجدان الشعب اليمني الطيب.

قالها الرئيس الشهيد/ جمال جميل
وفي شهر الثورة. اليمنية السادس والعشرين من سبتمبر 1962 نستذكر باجلال جمال جميل، أول فدائي عربي في اليمن بالعصر الحديث، الرجل الذي لم يكتفِ بالكلمات والشعارات، إنما وقّع وثيقة النضال العربي بدمه الطاهر على أرض اليمن.

ذلك الضابط العراقي ابن مدينة الموصل و الذي جاء إلى صنعاء برفقة مجموعة من ضباط العراق لتدريب جيش الإمام، ( الحرس الملكي ) ثم عاد رفاقه إلى بغداد، فيما أبى هو إلا أن يربط مصيره بمصير هذا الشعب، رافضًا العودة، مفضّلًا أن يبقى في اليمن، ليتزوج من ابنة آمر المدفعية في جيش الإمام احمد ملك اليمن .

رأى جمال جميل حال هذا الشعب المكلوم تحت نير الإمامة المتخلفة التي عزلت اليمن عن العالم تماما فلا تعليم ولا صحة ولا كهرباء ولا مياه نقية ولا مذياع ولا اية خدمات فقط انتظار الموت البطيء، ومن الطريف انهم عندما كانوا يشاهدون ضباط البعثة العسكرية العراقية بملابسهم العسكريةالانيقةوهندامهم يقولون عنهم هؤلاء سحرة!!، ومن يريد ان يتعرف الى وصف اليمن في تلك المرحلة يعود الى كتاب الرحالة اللبناني الشهير امين الريحاني في كتابه ملوك العرب وفيه وصف دقيق لماساة اليمن التي زارها والتقى امامها وتعرف اليها ووصفها ( جوهرة في يد فحام ) ومع هذه الاوضاع الكارثية اشتعل قلبه حرقة وغيرة، وبدأ منذ ذلك الحين يخطط لعمل تحرري يليق بتاريخ العرب وأمجادهم. وفي عام 1948، كان على موعد مع اللحظة الفاصلة، فقاد الحركة الدستورية، وانتصر رفاقه ونجحوا في القضاء على الإمام يحيى حميد الدين. غير أن ابنه وولي عهده أحمد أفلت من المصير ذاته، وأعاد القبضة الحديدية، فانقلبت الموازين سريعًا، وسقطت الثورة بعد أيام معدودة.

وفي ساعة المواجهة الكبرى، حين سيق البطل إلى ساحة الاعدام، لم يتردد، ولم يضعف، ولم يلن. وقف شامخًا، وصاح بكلماته الخالدة التي حُفرت في ذاكرة الأجيال:
“حَبَلناها وستلد.”

جمال جميل الضابط العراقي الذي اشتهر في صنعاء بعبارته (حبلناها وستلد )

ولم تكن تلك الكلمات صيحة عابرة، بل كانت نبوءة صادقة. فالحركة التي أنجبها دم جمال جميل لم تمت، إنما أنجبت من بعدها حركات تحررية متعاقبة، وتحوّلت دماؤه إلى بنيان حرية أسس في النهاية صرحا شامخا اسمه ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 بقيادة المشير عبدالله السلال الضابط اليمني المتخرج من الكليةالعسكريةالعراقية وقاد الثورة التي أنهت عصور الظلام الإمامي، وفتحت لليمنيين أبواب الكرامة والجمهورية والنور. وقد التقيت المشير السلال في بيته في حي القاع بصنعاء وحدثني باسهاب عن رحلتهم من ميناء عدن الى البصرة ثم الى بغداد وكيف كانت صدمتهم الحضارية حيث انبهروا برؤية شوارع مسفلتة ونفق للمشاة وانارة وسيارات وسينما وحياة حتى رحمه الله ذكر لي بانه عندما تخرج ورجع الى صنعاء خرج الجيران لاستقباله ونادوا على امه التي ربته يتيما بان عبدالله وصل ،لكنها عندما نظرت الي وانا ارتدي القيافة العسكرية لضباط الجيش العراقي وقد ازددت وزنا وتحسنت صحتي لم تعرفني جيدا وقالت هذا ليس عبدالله هذا واحد نصراني!!

زيارتنا يوما ما إلى منزل جمال جميل لم تكن مجرد وقوف على عتبة تاريخ، لكنها كانت استدعاءً للذاكرة، واستحضارًا لبطولة رجل غريب عن الأرض بالجغرافيا، قريب منها بالروح والدم، ليصير أحد أعظم رموزها الخالدين.

رحم الله الشهيد جمال جميل، وأجزل له المثوبة في عليين، وجعل سيرته نبراسًا للأحرار، ونارًا تحرق أوهام الطغاة، ومشعلاً يضيء درب الأجيال إلى الأبد.
عندما كنت مقيما في صنعاء عام ١٩٩٣م مدرسا في جامعة صنعاء وقريبا من الرئيس صالح طلب مني أن اقوم بتاليف كتاب عن البطل جمال جميل الضابط المدفعي وعضو البعثة الغسكرية العراقية التي تولت تاسيس الجيش اليمني بمساعدة من الملك فيصل الاول ملك العراق ،لم أجد مصادر استند اليها في تاليف الكتاب سوى مذكرات رئيس البعثة العسكرية العراقية العميد الركن سيف الدين ال يحيى مطبوعة بالرونيو على شكل ملازم مدرسية محفوظة في المتحف الحربي في ميدان التحرير وسط صنعاء فقررت الاتصال عبر الصديق العزيز د.طه الهمداني الوزير اليمني السابق والذي رتب لي زيارة الى بيت جمال جميل في الشارع الذي يحمل اسمه الان والمؤلف من طبقتين وهناك التقيت زوجته اليمنية الحاجة ام جميل وولده جميل الذي عينه الرئيس صالح سفيرا بوزارة الخارجية اضافة الى الدكتورة سميرة جمال جميل واظن كان بمعيتهم صهرهم اليمني وحكت لي زوجته الحاجة رحمها الله عن طريقة تعرفها الى جمال جميل والذي كان يسكن جارا لبيتهم وطلبها للزواج بعد أن تخلف عن عودة اعضاء البعثة للعراق وقرر الاستقرار في اليمن وتولى منصب قائد الجيش ثم بعيد تورة ١٩٤٨م اصبح وزير الدفاع والقائد العام حتى يوم استشهاده،
كما ذكرت لي بان الرئيس اليمني الاسبق ابراهيم الحمدي قد زارهم في هذا البيت وكذلك الرئيس علي عبدالله صالح لم يقصر معهم في تلبية كل احتياجاتهم وقالت ايضا بان الرئيس صدام حسين زار اليمن ثلاثة مرات وفي كل مرة كان يطلب لقاء العائلة وذكرت بانها تحتفظ بهذا الطقم الذهبي الذي أهداني اياه مع مكارمه السخية..
كما اني سالتها عن اخر مشهد لها مع زوجها قالت رايته بعيني لاخر مرة حينما حضرت ساحة الاعدام في منطقة نقم وفي ساعته الاخيرة من هذه الحياة الفانية، قال لي قبل أن يجهز على رقبته السياف بحضور الامام احمد ورجالاته، لست نادما على شيء، فقط اوصيك اهتمي بالاولاد بتعليمهم و تربيتهم على الايمان وتقوى الله وحب العراق واليمن وبعد برهة رفع راسه وصرخ بالامام احمد، وقال قولته التي اشتهرت في اليمن (اسمع يا احمد لقد حبلناها وستلد ) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى