موريتانيا تطرح سوق المحروقات للمنافسة.. هل تنهي مناقصة ديسمبر عقداً من التوريد مع «أداكس»؟

تانيد ميديا : تستعد موريتانيا لفتح صفحة جديدة في واحد من أكثر قطاعات اقتصادها حساسية، مع إطلاق مناقصة دولية لاختيار مورد لتأمين احتياجات السوق من المحروقات السائلة لمدة ستة أشهر، اعتبارًا من الثالث من ديسمبر 2026.
وتشمل المناقصة توريد البنزين والكيروسين والغازوال والفيول، في وقت يعتمد فيه البلد بصورة شبه كاملة على الأسواق الخارجية لتأمين المنتجات النفطية المكررة، رغم دخوله خلال السنوات الأخيرة إلى نادي منتجي ومصدري الغاز الطبيعي.
ولا تكتسب المناقصة أهميتها من مدتها الزمنية وحدها، بل من كونها تأتي في نهاية فترة تعاقدية جديدة مع المورد الحالي، شركة «أداكس إنيرجي»، التي ظلت حاضرة في منظومة توريد المحروقات لموريتانيا خلال السنوات الماضية.
مناقصة لستة أشهر
حددت السلطات الموريتانية الثالث من ديسمبر المقبل موعدًا لبدء العقد الجديد، الذي يمتد ستة أشهر، فيما حددت 15 أكتوبر موعدًا نهائيًا لتقديم عروض الشركات المتنافسة.
وتشترط وثائق المناقصة أن تكون الشركات المتقدمة ذات خبرة في قطاع المحروقات، وألا يقل متوسط رقم أعمالها خلال السنوات المالية الثلاث الأخيرة عن أربع مليارات دولار.
كما حددت ضمانة المشاركة بمليون دولار، وأتاحت للمتنافسين تقديم عروض وفق صيغ التسليم المحددة في دفتر الشروط.
وتظهر هذه الشروط أن المنافسة تستهدف شركات ذات قدرات مالية وتجارية كبيرة، بالنظر إلى طبيعة السوق وحجم التدفقات المالية واللوجستية المطلوبة لتأمين إمدادات منتظمة من المنتجات النفطية.
«أداكس».. المورد الحالي
تأتي المناقصة بينما تتولى شركة «أداكس إنيرجي» توريد المحروقات للسوق الموريتانية بموجب الترتيبات التعاقدية الحالية.
وكانت الشركة قد ارتبطت بعقود متتالية لتوريد المنتجات البترولية إلى موريتانيا خلال السنوات الماضية، ما جعلها أحد أبرز الفاعلين في سوق استيراد المحروقات بالبلاد.
لكن القيمة المالية الإجمالية للعقد الحالي، وكذلك التفاصيل المتعلقة بهامش المورد وأرباحه، لم تعلنها السلطات رسميًا، الأمر الذي يجعل من غير الدقيق نسبة أي مبلغ محدد إلى الشركة بوصفه قيمة للعقد أو عائدًا مباشرًا لها.
وتبرز هنا أهمية المناقصة الجديدة، باعتبارها اختبارًا لمدى استمرار المورد الحالي في السوق أو انتقال العقد إلى شركة أخرى، بعد سنوات ظل فيها اسم «أداكس» حاضرًا في منظومة توريد المحروقات.
سوق يستهلك أكثر من مليون طن سنويًا
تكتسب المنافسة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الطلب الوطني.
فبحسب معطيات رسمية، تستورد موريتانيا سنويًا ما بين 1.2 و1.3 مليون طن من المنتجات البترولية السائلة، تتصدرها مادة الغازوال، إلى جانب الفيول والبنزين والكيروسين.
ويعني ذلك أن عقدًا مدته ستة أشهر يتعلق بتأمين مئات آلاف الأطنان من الوقود، وفق وتيرة الاستهلاك والطلب خلال فترة التنفيذ.
وتستخدم هذه المنتجات في قطاعات حيوية تشمل النقل البري والبحري، وإنتاج الكهرباء، والصناعة، والأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في سلسلة الإمدادات قادرًا على الانتقال سريعًا إلى مختلف مفاصل الاقتصاد.
بلد منتج للغاز يستورد الوقود
تسلط المناقصة الضوء أيضًا على مفارقة قطاع الطاقة في موريتانيا.
ففي الوقت الذي بدأت البلاد الاستفادة من إنتاج الغاز الطبيعي وتصديره، ما تزال تعتمد على الخارج في تأمين المنتجات النفطية المكررة التي يحتاج إليها السوق المحلي.
وهذا الاعتماد يجعل أمن الإمدادات مرتبطًا بعوامل خارجية عديدة، من بينها أسعار النفط والمنتجات المكررة في الأسواق الدولية، وتكاليف الشحن والتأمين، وحركة الملاحة البحرية، والاضطرابات الجيوسياسية.
ومن هنا، لا يتعلق اختيار المورد الجديد بالسعر فقط، بل بقدرته على تأمين الشحنات بانتظام والتعامل مع أي اضطرابات محتملة في الأسواق أو خطوط النقل.
من يدفع ثمن المخاطر؟
في عقود توريد المحروقات، لا يكفي النظر إلى السعر المعلن للمنتج لتحديد العرض الأفضل.
فالكلفة النهائية ترتبط كذلك بشروط الشحن والتأمين والتسليم والتخزين والتمويل، إضافة إلى الالتزامات المفروضة على المورد بشأن مخزونات الأمان وقدرته على التعامل مع الطلب الطارئ.
ويعني ذلك أن عرضًا أقل سعرًا قد لا يكون بالضرورة الأقل كلفة إذا كان ينقل جانبًا أكبر من المخاطر أو الالتزامات اللوجستية إلى الطرف المحلي.
لذلك، فإن تقييم نتائج المناقصة سيحتاج إلى معرفة الشروط التعاقدية الأساسية، وليس اسم الفائز فقط.
المخزون.. خط الدفاع الأول
تظل قدرات التخزين أحد أهم عناصر أمن المحروقات في بلد يعتمد على الواردات البحرية.
وكانت السلطات قد أطلقت خلال الفترة الماضية مشاريع لزيادة قدرات تخزين المنتجات البترولية في نواكشوط، ضمن خطة لتعزيز استقلالية السوق ورفع مستوى المخزون المتاح في حالات الاضطراب.
وتبرز أهمية هذه القدرات في ظل اعتماد موريتانيا على وصول الناقلات بصورة منتظمة، إذ يمنح المخزون الاستراتيجي الدولة هامشًا زمنيًا للتعامل مع تأخر الشحنات أو تقلبات الأسواق الدولية.
ويبقى أحد الأسئلة المرتبطة بالمناقصة الجديدة حجم مخزون الأمان الذي سيطلب من المورد الاحتفاظ به، والجهة التي ستتحمل تكلفته، وآليات مراقبة احترام هذه الالتزامات.
مورد جديد أم استمرار للمسار نفسه؟
من المبكر الجزم بما إذا كانت المناقصة الجديدة ستؤدي إلى تغيير المورد الحالي.
لكن طرح العقد أمام منافسة دولية يعيد فتح السباق على سوق استراتيجية، ويضع الشركات المتقدمة أمام شروط مالية وفنية صارمة.
وفي حال فوز «أداكس» مجددًا، سيعني ذلك استمرار العلاقة التجارية القائمة ضمن عقد جديد وشروط جديدة.
أما إذا انتقل العقد إلى شركة أخرى، فسيكون ذلك تحولًا مهمًا في منظومة التوريد، لكنه لن يكون كافيًا في حد ذاته للحكم على نجاح العملية.
فالمعيار الأهم سيبقى في شروط العقد هو الأسعار، وآليات مراجعتها، وضمان استمرارية الإمدادات، ومستوى مخزون الأمان، والغرامات المفروضة في حالات التأخير أو الإخلال بالكميات أو المواصفات.
الشفافية.. السؤال الذي يتجاوز اسم الفائز
تثير المناقصة كذلك سؤالًا يتعلق بمستوى المعلومات التي ستتاح للرأي العام بعد إعلان النتائج.
فالإعلان عن اسم الشركة الفائزة سيكون خطوة أساسية، لكنه لا يكشف وحده ما إذا كانت الدولة حصلت على أفضل الشروط الممكنة.
وتتعلق الأسئلة الأهم بمعايير التقييم الفني والمالي، وعدد الشركات المتنافسة، وشروط التسعير، وكيفية توزيع مخاطر تقلب الأسعار، والالتزامات المتعلقة بالتخزين وأمن الإمدادات.
ولا يعني ذلك بالضرورة نشر التفاصيل التجارية الحساسة للعقد، لكنه يفتح المجال أمام نشر المعطيات الأساسية التي تسمح بفهم كلفة التوريد وشروطه العامة ومستوى الالتزامات التي يتحملها المورد.
اختبار لأمن الطاقة
في ظاهرها، تبدو المناقصة عملية روتينية لتجديد عقد توريد المحروقات لمدة ستة أشهر.
لكنها في الواقع اختبار لمنظومة أوسع تتعلق بأمن الطاقة في بلد يستورد أكثر من مليون طن من المنتجات البترولية سنويًا.
فموريتانيا لا تبحث فقط عن مورد يقدم سعرًا تنافسيًا، وإنما عن جهة قادرة على ضمان وصول الشحنات في موعدها، وتأمين احتياجات السوق، واحترام المواصفات، والوفاء بالتزامات المخزون، في سوق عالمية لا تزال شديدة التأثر بالتوترات السياسية وتقلبات النقل والطاقة.
ومع اقتراب موعد فتح العروض، ستتجه الأنظار إلى أسماء الشركات المتقدمة ونتائج المنافسة.
لكن السؤال الأهم سيبقى بعد إعلان الفائز هو: هل ستضمن المناقصة الجديدة للموريتانيين وقودًا متاحًا بصورة منتظمة وبكلفة أفضل، أم أنها ستعيد إنتاج المنظومة نفسها باسم مورد جديد أو بعقد جديد؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي لن تحسمه أظرفة المناقصة وحدها، بل الأشهر التي تلي توقيع العقد.



