الإنترنت لا ينسى … أطفال موريتانيا بين حق الحماية وضغط النشر الرقمي

تانيد ميديا : في ثوان  معدودة، قد تتحول معاناة طفل إلى مادة تتناقلها الهواتف وصفحات التواصل الاجتماعي.

 

صورة لطفل يبكي، أو فيديو لطفلة تروي تفاصيل اعتداء، أو قصة تنشر بملامح واضحة تحت عنوان مثير يحصد آلاف المشاهدات والتعليقات.

 

 

 

يتعاطف الناس… ثم يواصلون التصفح.

 

لكن بالنسبة للطفل، قد تبدأ المعاناة الحقيقية بعد انتهاء التفاعل.

 

فالفضاء الرقمي لا يمحو ما يُنشر بسهولة، وقد تبقى صورة أو قصة منشورة تلاحق طفلا لسنوات، في المدرسة، وفي محيطه الاجتماعي، وحتى في نظرته لنفسه.

 

ومع التوسع المتسارع للإعلام الرقمي في موريتانيا، تتزايد المخاوف بشأن الحدود الفاصلة بين التوعية بحقوق الطفل، وبين انتهاك خصوصيته وكرامته تحت ضغط السبق والتفاعل.

 

 

 

من نقل المعاناة… إلى كشف الهوية

 

 

 

خلال إعداد هذا التحقيق، رُصدت صور ومقاطع فيديو لأطفال في قضايا حساسة منشورة عبر بعض المنصات الإخبارية الرقمية المحلية وصفحات التواصل الاجتماعي، دون إخفاء واضح للهويات أو مراعاة كافية لمقتضيات الخصوصية وحماية الطفل.

 

وشملت هذه الممارسات نشر صور لأطفال في أوضاع هشة، إلى جانب مقاطع مصورة لأطفال يتحدثون عن وقائع حساسة تعرضوا لها، في محتوى يبقى قابلًا للتداول وإعادة النشر على نطاق واسع.

 

ورغم أن الهدف المعلن غالبا يكون التعاطف أو المطالبة بالإنصاف، يرى مختصون أن طريقة التناول نفسها قد تتحول – من حيث لا يقصد أحيانا- إلى شكل آخر من الأذى النفسي والاجتماعي الممتد.

 

 

 

الصحفي والناشط الحقوقي عمر دحمد يرى أن المشكلة لا ترتبط دائما بسوء النية، بقدر ما ترتبط أحيانا بضعف الوعي المهني، ويقول: «من بين الأخطاء المتكررة كشف هويات الأطفال بالاسم والصورة، وطرح أسئلة عليهم وهم في وضع نفسي صعب»، مضيفا أن «هوس التفاعل والسباق – وليس السبق الصحفي – إضافة إلى ضعف التكوين في قوانين حماية الطفل، يجعل هذه الممارسات تتكرر».

 

الخصوصية… حق لا يسقط

 

 

 

لا تقتصر حماية الطفل على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، تشمل أيضا حماية صورته و خصوصيته وكرامته، خصوصا في القضايا الحساسة.

 

وفي هذا السياق

 

 

 

تؤكد المديرة الجهوية للعمل الاجتماعي والطفولة والأسرة مامه منت اكبار أن نشر صور الأطفال أو معلوماتهم دون حماية هوياتهم “مسألة شديدة الحساسية”.

 

وتوضح:

 

“المادة 13 من مدونة حقوق الطفل في موريتانيا أكدت حق الطفل في احترام حياته الخاصة، وحمايته من نشر أي صورة أو معلومة قد تمس بمعنوياته أو شرفه”.

 

وتحذر من أن كشف هوية الطفل، خصوصا في قضايا العنف أو النزاعات الأسرية، قد يعرّضه للتنمر والوصم الاجتماعي، ويترك آثارًا نفسية طويلة الأمد.

 

وتشدد على أن مصلحة الطفل يجب أن تبقى فوق أي اعتبارات إعلامية أو بحث عن التفاعل.

 

أثر لا يرى فورا

 

وراء كل صورة منشورة لطفل، قد توجد آثار نفسية لا تظهر مباشرة.

 

 

 

استشاري الطب النفسي الإكلينيكي الداه آدبه يصف نشر صور الأطفال وقضاياهم دون حماية بأنه “انتهاك للحدود النفسية للطفل”.

 

ويقول:

 

“الإنترنت لا ينسى. الطفل يعيش مع شعور دائم بأن لحظة ضعفه أصبحت متاحة للجميع، وهذا قد يؤثر على ثقته بنفسه وعلاقاته الاجتماعية.”

 

ويضيف أن إعادة سرد التجارب المؤلمة أمام الكاميرا قد تعيد تنشيط الصدمة النفسية، بينما قد تتحول الصور والمنشورات لاحقا إلى مادة للتنمر أو الوصم الاجتماعي.

 

و يلخص الأمر بعبارة يعتبرها الأهم:

 

«لا تنشر عن الطفل ما لن يقبل هو بنشره عن نفسه عندما يصبح راشدا.»

 

الأسرة أيضا … تحت الضغط

 

 

 

في كثير من الحالات، لا يأتي كشف هوية الطفل من الوسيلة الإعلامية وحدها، بل أحيانا بموافقة الأسرة نفسها، خصوصا في لحظات الصدمة أو البحث عن المساعدة والتعاطف.

 

لكن ذلك لا يعفي الوسيلة الإعلامية من مسؤوليتها المهنية والأخلاقية.

 

 

 

مريم بنت الشيخ، أم لأطفال، تقول إن نشر صورة طفل أو قصته دون إخفاء هويته «أمر مؤلم و مقلق»، خاصة في القضايا الحساسة.

 

وتضيف: «الطفل لا يدرك تبعات النشر، بينما قد تبقى صورته أو قصته متداولة لسنوات وتؤثر على نفسيته ومستقبله.»

 

وترى أن أخطر ما في الأمر هو:

 

«تحويل معاناة الأطفال إلى مادة للفرجة والإثارة بدل المعالجة المهنية والإنسانية.»

 

هل يمكن الجمع بين التأثير والحماية؟

 

 

 

في مقابل هذه الممارسات، بدأت بعض المنصات الإعلامية تعتمد أساليب أكثر مراعاة لحقوق الطفل، مثل:

 

طمس وجوه الأطفال

 

استخدام أسماء مستعارة

 

تجنب نشر التفاصيل المؤذية

 

التركيز على القضية بدل الشخص

 

الامتناع عن استنطاق الأطفال في القضايا الحساسة

 

وهي ممارسات تؤكد أن المهنية لا تتعارض مع التأثير، و إنما تعزز مصداقيته.

 

كما يعكس الاهتمام المتزايد بقضايا الطفولة في موريتانيا، بالتعاون مع اليونيسف، حاجة متنامية إلى إعلام أكثر وعيا بمبادئ الحماية والخصوصية في العصر الرقمي.

 

 

 

إعلام يحمي… لا يكشف

 

 

 

في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر أسرع من التفكير في أثرها، لم يعد التحدي الحقيقي في نقل المعلومة فقط، بل في نقلها دون المساس بكرامة الإنسان، خاصة عندما يكون طفلا.

 

فالطفل ليس أداة لجذب التفاعل، ولا مادة للاستهلاك الرقمي، هو إنسان له حق أصيل في الحماية والخصوصية والكرامة.

 

قد تختفي المنشورات من الصفحات الأولى…

 

لكن أثرها لا يختفي بالسهولة نفسها.

 

فقد يبقى طويلا في ذاكرة طفل لم يختر يوما أن تتحول لحظة ضعفه أو ألمه إلى قصة يشاهدها الجميع.

 

وبين حق المجتمع في المعرفة… وحق الطفل في الحماية، يبقى السؤال معلقا:

 

أي إعلام نريد؟ إعلام يروي القصة فقط… أم إعلام يحمي أصحابها أيضا؟

 

تحقيق / لمينة زيدان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى