الحوار المرتقب .. توافق وطني أم هندسة مشهد جديد؟/ محمد ولد عمار

تانيد ميديا : في الظاهر، يبدو استدعاء منسق الحوار السياسي موسى فال للفرقاء السياسيين مجرد خطوة إجرائية ضمن مسار التحضير للحوار الوطني . لكن في العمق، توحي التحركات المتسارعة والاتصالات الجانبية الجارية بأن الأمر يتجاوز مجرد “لقاء تشاوري” إلى محاولة إعادة ترتيب المشهد السياسي بهدوء، وفي توقيت بالغ الحساسية.
فالحوار لم يكن يوما مجرد نقاش سياسي تقني، بل ظل دائما أداة لإدارة التوازنات، وامتصاص التوترات، وإعادة توزيع الأدوار داخل الحقل السياسي. لذلك فإن القراءة الحقيقية لما يجري لا تتوقف عند الدعوات الرسمية، بل تبدأ من الأسئلة التي تتحرك في الظل: من يجمع الأطراف؟ من يحدد الإيقاع؟ ومن المستفيد من فتح هذا المسار الآن؟
اللافت في المشهد الحالي هو تزامن الدعوة للحوار مع حركية سياسية غير معتادة يقودها بيرام الداه اعبيد، سواء عبر اتصالاته بشخصيات ذات رمزية سياسية واجتماعية مثل بجيل ولد هميد، أو انفتاحه على شخصيات من النظام السابق من بينها يحي ولد حدمين، إلى جانب أسماء أخرى من طيف سياسي متباين. وهذه التحركات تحمل أكثر من رسالة في آن واحد.
أول هذه الرسائل أن المعارضة، أو جزءا منها على الأقل، لم تعد تتعامل مع الحوار باعتباره منصة للمقاطعة أو تسجيل المواقف فقط، بل كفضاء محتمل لإعادة التموضع السياسي قبل الاستحقاقات القادمة. أما الرسالة الثانية فهي أن بعض القوى التقليدية بدأت تدرك أن إعادة إنتاج الاصطفافات القديمة لم يعد ممكنا بنفس الطريقة، وأن المشهد يتجه نحو تحالفات أكثر مرونة وأقل أيديولوجية.
لكن خلف هذه الديناميكية يبرز سؤال أكثر حساسية: هل الحوار الجاري التحضير له حوار سياسي فعلا، أم مجرد عملية ضبط إيقاع داخل النظام السياسي؟
فهناك من يرى أن السلطة تسعى عبر هذا المسار إلى تهدئة المجال العام وخلق مناخ توافقي يسبق محطات سياسية مهمة، خصوصا في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، وأوضاع إقليمية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. بينما يعتقد آخرون أن بعض مراكز النفوذ داخل الدولة تحاول من خلال الحوار إعادة ترتيب علاقاتها مع الفاعلين السياسيين، وفتح قنوات مع شخصيات كانت حتى وقت قريب خارج دائرة التفاهمات التقليدية.
وفي هذا السياق، يبدو أن المتحكم الحقيقي في “حركية الحوار” ليس بالضرورة الواجهة الرسمية المشرفة عليه، بل شبكة معقدة من التوازنات بين السلطة، ومراكز القرار، وبعض الفاعلين السياسيين الذين يسعون إلى تثبيت مواقعهم في مرحلة انتقالية غير معلنة المعالم بالكامل.
كما أن دخول شخصيات من خلفيات متناقضة إلى دائرة الاتصالات يوحي بأن الهدف قد لا يكون الوصول إلى توافق شامل بقدر ما هو بناء “حد أدنى من التفاهم” يمنع الانفجار السياسي، ويحافظ على استقرار النظام العام، دون الذهاب إلى تغييرات جذرية في بنية المشهد.
ومع ذلك، فإن نجاح أي حوار لن يتوقف على كثافة اللقاءات أو عدد المشاركين، بل على طبيعة الملفات المطروحة ومدى وجود إرادة حقيقية لمعالجة القضايا العالقة، من الحكامة والعدالة الاجتماعية إلى إصلاح النظام السياسي وتوسيع الثقة بين الدولة والفاعلين السياسيين.
نحن اليوم أمام مشهد سياسي يتحرك بهدوء، لكن تحت هذا الهدوء تدور حسابات دقيقة تتعلق بالمستقبل أكثر مما تتعلق بالحاضر. والحوار، مهما كانت تسميته، قد يكون هذه المرة محاولة لإعادة رسم التوازنات قبل أن تفرض التحولات القادمة إيقاعا مختلفا على الجميع.


