بين الشرح والتدوير وحقيقة التحوّل المأمول/ محمد ولد لحظانه

تانيد ميديا : في كل مرة يعلن فيها حزب الإنصاف عن بعثات إلى الداخل، يبدو المشهد على الورق متماسكًا شرح لمخرجات مؤتمر، عرض لحصيلة الحكومة، تحيين للهيئات، تفعيل للقواعد، وجمع لمطالب المواطنين. لغة مألوفة، تنظيم محسوب، وحرص شكلي على الإنصات. غير أنّ السؤال الذي لا يُقال، لكنه يفرض نفسه بهدوء، هو: ماذا بقي فعلًا ليُشرح؟
فمخرجات المؤتمر الأخير لم تعد حدثًا جديدًا في وعي القواعد، بل صارت جزءًا من ذاكرة سياسية قريبةنسأل لله ان لا تكرر . أما حصيلة عمل الحكومة لسنة 2025، فقد خرجت من إطار الوثيقة الحزبية إلى المجال العمومي، حين عرضها الوزير الأول تفصيلًا في فضاءات رسمية وإعلامية، حتى لم يعد المواطن يحتاج وسيطًا حزبيًا ليعرفها، بل يحتاج أن يلمس أثرها في حياته اليومية.
البرامج التنموية في نواكشوط والداخل، نوقشت أصلًا وبشكل دقيق وتشاركي مع المواطنين في مناسبات وآليات متعددة، وأُدرجت ضمن سياسات عمومية صارت معروفة في خطوطها الكبرى وتفاصيلها العملية. لذلك لم تعد اليوم مجالًا لـ“المزايدة الخطابية”، بل أصبح معيارها على الأرض، بما يتحقق منها من أثر ملموس.
التنمية، حين تكون حقيقية، تتكفّل هي بتعريف نفسها، وحين تكون ناقصة، لا تُعوّضها اللغة مهما كانت منسّقة. والواقع اليومي للمواطنين يظل، في كل الحالات، التقرير الأكثر صدقًا عن السياسات العمومية.
أما الدعوة المتكررة إلى “تفعيل” الهيئات القاعدية، فهي في ظاهرها حرص على التنظيم، لكنها في عمقها اعتراف ضمني بأن هذه الهيئات لم تكن فاعلة كما ينبغي. إذ لا يُستنهض ما كان يؤدي دوره، ولا يُطلب إحياؤه إن كان حيًّا. وحين يتحول التفعيل إلى شعار دوري، يصبح علامة على خلل مستمر في العلاقة بين القيادة والقواعد، لا أداة لإصلاحه.
التعميمات المتعلقة بتعزيز التعاون بين الأطر والهيئات القاعدية، وبالابتعاد عن التموقعات الضيقة والصراعات الداخلية، تبدو أقرب إلى محاولة ضبط ما انفلت، لا ترسيخ ما استقر. فالثقة لا تُبنى بالنصوص التنظيمية، بل بالشعور بأن الحزب فضاء مفتوحًا للمشاركة، لا مجرد آلية لإعادة توزيع المواقع.
هنا تتكشف فجوة أعمق ففي الوقت الذي اختار فيه رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، نهج التحوّل الهادئ والفعل المتدرّج وبناء الدولة خارج منطق الاستعراض والتعبئة الظرفية، ما يزال حزب الإنصاف يتحرّك بمنطق الحركة لا التحوّل. لا خصومة هنا، بل عدم تزامن بين رؤية تقود الدولة وآلة تنظيمية لم تُحدّث أدواتها بعد.
ومن هذا المنظور، يبدو أن الهدف غير المعلن لهذه البعثات ليس الشرح بقدر ما هو التدوير: تدوير الخطاب، تدوير الأدوار، وتدوير الإحساس بالحركة، من دون أن يصاحبه تحول فعلي في المنهج أو في علاقة الحزب بقواعده. حركة بلا مراجعة، وانتشار بلا مساءلة، ونشاط يُعيد إنتاج الوضع القائم أكثر مما يفتحه على أفق جديد.



