الأمن وعيٌ قبل أن يكون سياجا / بقلم محمد ولد لحظانه

تانيد ميديا : الأمنُ ليس جدارًا يُقام حول الأوطان، بقدر ما هو وعيٌ يسكن العقول والضمائر. فالاستقرار الذي نعيشه اليوم لم يأتِ مصادفةً، بل كان حصيلةَ رؤيةٍ بعيدة المدى، وعملٍ دؤوب، وتضحياتٍ متراكمة. وإدراكُ هذه الحقيقة يجعل الحفاظَ عليه مسؤوليةً جماعية، تستدعي من مختلف الأطياف السياسية أن تكون شريكًا فاعلًا لا متفرجًا، وركيزةَ حمايةٍ لا عنصرَ تهديد، وصوتَ بناءٍ لا معولَ هدم.
وليس في هذا الحديث عن الأمن دعوةٌ ولّدها خوفٌ، ولا هو انعكاسٌ لشعورٍ بقلقٍ يتربّص بنا، بل هو تذكيرٌ صادقٌ بقيمة نعمةٍ قد لا يدركها حقّ إدراكها إلا من عاش فقدانها. هي رسالةٌ لكلّ من يتصرف وكأن الأمن مسلّمة لا تحتاج إلى حراسة الضمير والوعي، بأن هذا المكسب ثمرةُ وعيٍ عميق ورؤيةٍ راسخة، لا صدفةَ عابرة.
لقد أثبتت تجارب الماضي القريب أن الفتن حين تندلع لا تُبقي مجالًا للحكمة أو الحلم، وأن الخطاب الضيق – مهما تلحف بالشعارات – لا يحمي جماعةً ولا يصون حقًّا، بل يغذّي الانقسام ويضعف الدولة، وهي المظلّة الجامعة للجميع. وإن كانت بعض الأصوات المثيرة للقلق ترتفع اليوم، فإنها لا تعدو أن تكون هواجس متناثرة أمام وعيٍ شعبيّ آخذٍ في النضج، وشراكةٍ وثيقةٍ بين القيادة والمجتمع. بل إن مثل هذه الأصوات تزيدنا يقظةً وتثبّت الثقة في الوطن.
لقد اختارت القيادة الحالية، بفضل توجيهات رئيس الجمهورية، نهجَ التهدئة والاستقرار، والتعامل مع مختلف الفرقاء السياسيين بروح منفتحة، لا كتكتيكٍ مرحليّ، بل كخيارٍ استراتيجيّ هدفُه بناء الثقة وترسيخ المسؤولية المشتركة. ومتى ما قابل الفرقاءُ السياسيون هذا النهج بروحٍ مماثلة، أدركوا أن الانفتاح هو عين الحكمة والرشد، وأن الالتفاف عليه ليس إلا ضربًا من السفه والخسران. وما تحقق من تعزيز المؤسسات الأمنية، وتأمين الحدود، وتهيئة مناخٍ سياسيّ متزن، يمثّل سياجًا معنويًا يحمي الوطن من الداخل قبل الخارج؛ فالأمن الحقيقي ليس استجابةً آنيةً، بل رؤية شاملة ومنظومة قيمٍ متوازنة تجمع بين الحزم والطمأنينة.
غير أن هذه الرؤية لن تكتمل من دون مواطنٍ واعٍ، يدرك أن حماية الوطن تبدأ من سلوكه اليومي، وأن التربية الوطنية هي الحصن الأول للاستقرار. الأمن قبل أن تحرسه القوى، تصنعه الضمائر.
فلنحمد الله على هذه النعمة، ولنجعل من وعينا حصنها الأول. وحين تلتقي حكمة القيادة بصفاء النفوس، يتحول الاستقرار إلى خيارٍ دائم، لا رفاهية عابرة. إنها لحظة تاريخية نكتب فيها صفحةً جديدة، عنوانُها أن الأوطان العظيمة لا تصنعها الصدفة، بل تصنعها قلوبٌ مؤمنة، وسواعدٌ عاملة، وعقولٌ رأت بعيدًا فمهّدت الطريق للغد.
محمد لحظانه
المستشار الفني لوزير التجهيز والنقل
مكلف بالنقل الجوي



