متى يفقد الكاتب حقه الأخلاقي في النقد؟”بقلم ابراهيم ولد اعل

تانيد ميديا : في زمن غزارة الرأي وسرعة النشر، صار من السهل أن ينتقد الكاتب، وأن يكتب في كل شيء، وأن يصوّب سهامه حيث يشاء.
لكن ما لا يُدركه كثيرون هو أن النقد مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهارة لغوية، وأن للكاتب الحق في النقد، نعم لكن هذا الحق يمكن أن يُنتزع منه لحظةَ ينزل بأسلوبه إلى درك التجريح والسخرية الشخصية.

فمتى، إذن، يفقد الكاتب حقه الأخلاقي في النقد؟

#حين يستبدل الفكرة بالشخص

الكاتب صاحب الرأي النزيه يهاجم الفكرة، لا صاحبها.
فإذا تحول النقد إلى نيل من السن، أو النسب، أو الهيئة، أو الظروف الشخصية، خرج من حقل الفكرة إلى ساحة الإهانة، ومن شرف الاختلاف إلى رخصة الازدراء.

النقد الذي يبدأ بـ”استعذت بالله من شيخوخة فلان”، أو ينتهي بـ”مكانه مزبلة التاريخ”، ليس نقدًا، بل شتمٌ مغلف بورقة رأي.

#حين يستخدم السخرية بدل الحُجة

السخرية أداة جذابة، لكنها لا تصنع موقفًا نزيهًا إذا لم تُدعَم بالحُجج.
فالسخرية التي لا تؤسس لمضمون، ولا تحاور الفكرة، تُحوِّل الكاتب من ناقد إلى مهرّج سياسي.
وحين يصبح القارئ أسرع منك إلى الحجة، تكون قد فقدت هيبتك الفكرية، وحقك في أن تُطالب الناس بأن يستمعوا إليك.

#حين يُحوِّل القلم إلى أداة تصفية

الكاتب ليس قاضيًا، ولا جلادًا.
فإن كتب لينتقم لا ليناقش، وإن سخّر لسانه لتصفية خصومة شخصية أو سياسية، فقد حياده، وخرق ضميره، وأسقط عنه الحق في أن يُنصت إليه كناقد.

الكاتب النزيه لا يكتب من موقع الخصومة، بل من مقام الرقابة الفكرية والضمير العمومي.

#حين يغيب عن الكاتب التواضع المعرفي

النقد مسؤولية معرفية أيضًا.
فحين يتحدث الكاتب بثقة زائفة، وينصّب نفسه حارسًا للحقيقة، ويتحدث عن تجارب لم يعشها، أو رموز لم يقرأ عنها سوى ما جادت به ذاكرته الآنية، يفقد احترام القارئ قبل أن يفقد حقه في النقد.

#حين يُشوّه ذاكرة الشعوب

لا يجوز للكاتب أن يعيد رسم الذاكرة الجمعية وفق مزاج اللحظة، فيجعل من خصومه “شياطينًا”، ومن مَن يُحبهم “قديسين”.
وحين ينزلق في هذا المسار، يُصبح أداة لتزييف التاريخ بدل تصحيحه،
وهنا تحديدًا ينتهي دوره ككاتب، ويبدأ دوره كـ”بائع سرديات مضلِّلة”، وهو أدنى ما يمكن أن يصل إليه قلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى