هل سيواصل غزواني السير في الاتجاه الخاطئ لسابقيه؟

تانيد ميديا : إننا اليوم، وعلى نحو صريح، نساق بواسطة الشرعيات البالية. إنه تراكم لثمان روساء رماهم نفس النهج خارج السلطة ،وايديولوجيا واحدة ،وحقيقة واحدة ،وأيضا نمط أو شعار وحيد .
في السياقات التاريخية، هناك أنماط تختلف حسب الظروف والأهداف بالنسبة لأي قائد جديد. وقد نظّر مكيافيللي لواحد من اكثر الأنماط السياسية في العالم شيوعا، تحدث فيه عن شخصية “الأمير ” وكيف عليه أن يكون، قائلا: “من الأفضل أن تكون مخيفًا من أن تكون محبوبًا، إذا لم يكن بإمكانك الحصول على الاثنين” .
صحيح أنه في الفترات السابقة كان الحاكم يحكم مدى الحياة، وكانت هذه الأساليب نموذجية بالنسبة لاستمرار الحكم وحيث ظل الشعب الحلقة الأضعف. وهكذا كان رهان الحاكم استمراره في السلطة وعلى ذلك الأساس يختار نخبته …حتى قبل ميكافيللي، وفي صدر الاسلام، قامت أنماط الحكم على هذا النوع حيث كان “أمير المؤمنين ” يحكم بواسطة نخبة هو من يخلقها لمهمات تكريس حكمه …لقد كانت هذه النظرية السياسية هي أساس الأحكام إذ تصف وتقدم المصلحة الذاتية للحاكم ولاستمراره في حكمه ونزع جميع العقبات أمامه مهما كانت وعلى حساب أي مصالح أخرى حتى وإن كانت مصلحة الشعب نفسه هي الهدف الأسمى. هذا النمط تداركنا ونحن في “نهاية التاريخ ” -تطور أدوات وآليات الحكم -وإن كان ممزوجا بخصوصيتنا …كانت فترة المرحوم المختار ولد داداه بحاجة لتكريس مفهوم الدولة عبر الوسطاء الاجتماعيين، وكان في الحقيقة يخاطب المجتمع من خلالها، ولذلك كانت الشرعية الاجتماعية هي الأولى على سّلم صناعة النظام أو النخبة، ومع ذلك كانت نخبته غير المتعلمة منضبطة ومتزنة أخلاقيا …حاول العسكر قبل الديمقراطية السير على نفس النسق، وإن كان بتمييع وسطحية مفرطين … وقد توجت الديمقراطية الشكلية ذلك “الانحدار” بإدخال نخبة جديدة لمجابهة المطالب المتعالية من داخل الفئات المهمشة والمظالم وبقيادة الفئات المتنورة من الشباب والايديولوجيات حيث خلقت وسطاء وساسة “انحرافيين ” قابلين للتحول والميلان، ومنحتهم شرعية “النظام” من خلال منحهم الوظائف والمهام السياسية لحماية النظام وكل الوسائل الضرورية لذلك خاصة التصدي ل”نخبة ما وراء النظام “، أي النخبة التي تصارع لأجل أهداف سامية وباقية للمجتمع والدولة .
لقد اصبحت الوظائف العليا حصة مقابل تقديم خدمات سياسية من داخل القبيلة أو الشريحة، ولذلك تم خلق سياسيين وتم تضخيمهم مرات من خلال تمكينهم من الدولة ومجتمعهم لأجل دعم الولاء المطلق والطاعة العمياء لجميع أعمال النظام ..وقد تفشى هذا النوع من السلوك ورواده حتى أصبح قطاعا عريضا من الشخصيات الفاعلة والوازنة على خريطة الأحداث والخريطة السياسية حيث استولت على أعداد هائلة من الناخبين الخارجين عن سلطة زعماء القبيلة وأرجعتهم لحظيرة النظام والانضمام لهم بوصفهم الصورة الأكثر “تنورا” أو الأكثر انفتاحا واستعدادا للشراكة من أجل المصالح والأنانيات والنوازع الفردية. وهكذا كان كل رئيس يصل السلطة يسعى لأن يحافظ على شعبية الكرسي بين 27إلى 35% المتأتية من تحالف “الزعامات القبلية ونخبة السلطة ” بدعم نفس النسق، ولذلك فإن الرئيس لا يبحث في العملية السياسية أو الانتخابية بالأحرى ، سوى عن 17%من الناخبين، وبالتالي ليس مضطرا لخوض غمار الاصلاحات الهيكلية التي ستزيح فلكه السياسي .لقد صار السباق لنيل رضى الرئيس هو أساس ودينامكية العملية السياسية وجوهر مخرجاتها بكل مستويات الضحالة التي أمست تحمل صورة قاتمة للمستقبل ولا تبشر بأي تقدم ولا تفاؤل للأجيال، وهكذا نشأ خطان في المجتمع وسط النخبة كرد فعل على هذه الوضعية التي لا تنفك، وهما خط الهجرة للخارج هروبا من الميوعة والنفاق السياسي والسقوط الأخلاقي، وخط المعارضة الراديكالية حفاظا على مصالح البلد وعلى توسيع وتوكيد المحظيات السياسية .إن هذين الخطين هما نتاج الحقائق الثلاثة السابقة:
– الحقيقة الإيديولوجية السياسية الوحيدة التي هي المصلحة الذاتية والنفاق السياسي. -الحقيقة الواحدة القائمة بذاتها والمتجلية عقب سقوط كل نظام خلال هذه المسيرة التي هي الفشل .
– الشعار الوحيد الذي يحمله جميع السياسيين الموالين الذي هو خدمة النظام لا المجتمع والدولة …المرحلة التي نعيشها اليوم هي بصفة عامة صورة قوية للامتعاض من هذا النمط ومخرجاته ومن رواده. إنها مرحلة ماقبل الانتفاضة على هذا النمط الذي يرسل فقط رسائل قوية بنهاية الاستقرار في البلد و غير مطمئنة ولا عادية تخيم على المستقبل وتتناغم في شكلها المريع مع الصراع الخارجي على موارد وموقع البلد ..إنها الشرعية التي جاءت بواجهات الأنظمة المتعاقبة بما فيها نظام غزواني نفسه، وتحاول من خلال تفكيرها المبسط أن تبعد جميع مظاهر وأشكال الاقتدار ، وطمس جميع مظاهر البريق الخافت الذي آنسته النخبة بسبب التحوّل في طريقة التعاطي مع المجتمع ومع القضايا المطروحة للبلد ونمط التواصل والتعاطي معها حيث امتدحه واستبشر به الناس حتى صار فيما بعد سياقًا عاما حصلت من خلاله نخبة الخط الثالث (المعارضة والمهاجرين) على مستوى من التفاؤل حول مستقبل التغييرات في البلد وحول فرصة الانضمام لها ، من خلال عملية الانفتاح وأسلوب الحاكم الجديد …كانت هناك فرصة تاريخية لخلق نمط مختلف من السياسية بواسطة تحمس نخبة الخط الثالث التي شعرت بأنها معنية بهذه الفرصة والمشاركة بقوة في تحريك دفة الاصلاح …كان الكل ينتظر داخل صف جديد التأم خلال الأشهر الأولى بين الحملة ونجاح غزواني و الممتد بين التفاؤل والتحمس لكي يظهروا مهاراتهم وقدراتهم في ضوء الارادة السياسية الجديدة، وكانت الفرصة مواتية لدمج قوة ودم جديدين لاطفاء الحريق في النفوس من نفس النمط ونفس الخطابات ونفس التوجهات ونفس آلية صناعة الفشل …لقد صار الشعب يعيش امتعاضا مزمنا يكسو حياته اليومية بالاكتئاب …لكن نخبة الخط الثالث في أوج تحمسها واندفاعها وتفاؤلها واجهت التصنيف الطارد من طرف القوة الداخلية التي تهيمن على التصورات وتشارك بقوة في رسم السياسات وتحضير الاقتراحات وتتواصل يوميا مع الرئيس …لقد أعطت صورة نمطية مخيفة عن نخبة الخط الثالث بأنها خطر سياسي قاتل على النظام لأنها ستكون ضيفا غير مرحب به على “نخبة المخزن ” التي دعمته وحملته إلى كرسي الحكم وبديل عنها مما سيخلق هجرة مضادة وانسلاخا من النظام ..والواقع أنها قطع غيار لا أهمية لها خارج الماكينة الأساسية التي هي الدولة ولا غنى لها عنها …إنه تواطؤ ضد البلد وضد غزواني يسعى لحرمانه من إضفاء مسحة جديدة على النظام كانت ستخلق له بعدا وطنيا عميقا وتاريخا يجعله يختلف عن كل ماسبقه من الرؤساء ويدعم نظامه بهذه القوة الحية المستقلة عن أدوات الفعل السياسي الخاضعة لنمط الأنظمة السابقة بما تملكه من شرعية موضوعية وواقعية (شرعية العلم والعفة والتضحية ) مما يخلق بريقا سياسيا حاشدا. إنها- بحكم النسبة المرتفعة للشباب- تمثل القوة الكبيرة ذات التأثير الواسع داخل البلد القادرة على الانتاج السياسي والإعلامي والفكري … الأمر ليس مرتبطا بأشخاصها لكن بتجربتها والتزامها وبأفكارها وتناغمها مع مطالب المرحلة ومع التوجهات العامة للشعب و مع طموح واسلوب غزواني للبلد .لكن لماذا لم يشأ غزواني أن يحسم الصراع بين الكتلتين بدلا من أن يميل كل الميل إلى نخبة “المخزن”؟!.
لقد وضع النخبة الجديدة في ثلاجة حتى إشعار آخر، وظل يرسل عليها موجات من “البرد ” حتى قطع أكثر من نصف عهدته ..إنه اليوم يواجه ردات الفعل على ثلاثة أشكال من هذه النخبة التي حصل عليها في شكل عطية ..إنها تريد أن تخلق إطارا جديدا للمنافسة على إنقاذ البلد وعلى الالتزام بالمرجعيات الاساسية: الاستقامة والأخلاق. إنها تحمل توازنا تحتاجه الدولة في جميع مفاصلها وتجلياتها …إن تصوير هذه الاضافة الايجابية أو هذه القوة السياسية لغزواني على أنها طارىء أمر خطير …هو واحد من أسوأ الاستشارات التي يمكن أن يتلقاها خلال فترة حكمه ..إنه اليوم يواجه ردة فعل من ثلاثة أشكال ما تزال حميدة إثر هذا التجاهل والصدود من طرف هذه النخبة: تتمثل ردة الفعل الأولى في بروز طموح واسع للشباب للمشاركة السياسية خاصة من خلال الأحزاب التي تدور في فلك الرئيس خاصة حزب الانصاف. ويتوقع هؤلاء كخطوة ايجابية من الرئيس أن يستجيب لذلك الطموح أو أن يباركه ويفتح له الطريق في اتجاهات اخرى تتعلق بوضع الناس أمام نفس فرص الولوج للناخبين …وتتمثل ردة الفعل الثانية في السكوت الممض الذي يعد بمثابة استقالة سياسية ومراقبة للوضع وانتظار ظهور قوة تجميعية جديدة ..أما النمط الثالث من ردات الفعل فهو الدعم مع ذهاب الروح وموت الحماس وضعف المعنويات ..ومع ذلك ما تزال هذه النخبة تتمسك بخيار التغيير تحت النمط الأخلاقي الهادئ خاصة أن البلد وصل نقطة الذروة التي ليس وراءها سوى النجاح أو الفشل . إن غزواني اليوم يقع بين يدي نخبة لم ولن تخلق له النجاح. إنها نمط لشرعيات بالية تخطتها الشعوب في أغلب بلدان العالم من خلال التغييرات والصدمات والتغييرات العنيفة في أغلب الأحيان .إن نخبة “المخزن” تريد أن تجعله مثل الحلم بالنسبة لنخبة الخط الثالث التي ستخرج يوما ما من الثلاجة لتعود لمواقعها، ويكون هو قد خسر فرصة دمج هذه النخب الداعمة له على اختلافها العميق في نظام واحد يحاول من خلالها خلق نمط تتنافس فيه القوى الوطنية وتشتد فيه المنافسة على معايير وأنماط جديدة وحديثة نحو مستقبل أفضل وأكثر تنورا، و يشترك ويتحمل فيه الجميع المسؤوليات في عملية التحوّل التي أسس لها في سلوكه .
إنها فرصة تكاد أن تضيع.. فهل سيتدارك غزواني ذلك أم يتركه(…)!؟؟

من صفحة الإعلامي محمد محمود ولد بكار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى