الولايات المتحدة ترتكب جرائم انتهاك خطيرة لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وخارجه

تانيد ميديا : الجمعية الصينية لدراسات حقوق الإنسان

أغسطس 2022

ارتكبت الولايات المتحدة سلسلة من الجرائم التي تنتهك القانون الدولي بشكل خطير، بما في ذلك جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والاحتجاز التعسفي، والاعتداء بالتعذيب، وتعذيب السجناء، والعقوبات الأحادية العشوائية في منطقة الشرق الأوسط والمناطق المحيطة بها، مما يشكل انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان مع ضرر دائم وبعيد المدى.

لم تؤد الجرائم الأمريكية فقط إلى حروب متواترة ومتكررة في منطقة الشرق الأوسط وأماكن أخرى، بل أغرقتها أيضا في مستنقع الصراعات والمعضلات الأمنية وقوضت بشكل خطير حقوق السكان المحليين في الحياة والصحة والكرامة الشخصية وحرية المعتقد الديني والبقاء والتنمية.

1. شن الحروب، وقتل المدنيين، والإضرار بالحق في الحياة والبقاء

أشار المؤرخ الأمريكي بول أتوود، في كتابه المعنون “الحرب والإمبراطورية: طريقة الحياة الأمريكية” الذي صدر في عام 2010، إلى أن “الحرب هي طريقة الحياة الأمريكية”. منذ تأسيس الولايات المتحدة، كان هناك أقل من 20 عاما فقط لم تشارك فيها في حرب، مما يجعلها “إمبراطورية حرب” حقيقية.

منذ نهاية الحرب الباردة، شاركت الولايات المتحدة في جميع الصراعات والحروب الرئيسية تقريبا في منطقة الشرق الأوسط والمناطق المحيطة بها، والتي أصبحت المنطقة الأكثر تضررا من الحروب الخارجية التي شنتها الولايات المتحدة.

وقد أظهرت الإحصاءات الصادرة عن مجلة مؤسسة سميثسونيان الأمريكية أنه منذ عام 2001، غطت الحروب والعمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة باسم “مكافحة الإرهاب” “حوالي 40 في المائة من البلدان على هذا الكوكب”.

لم تحشد الولايات المتحدة حلفاءها لشن حرب الخليج (1990-1991) وحرب أفغانستان (2001-2021) وحرب العراق (2003-2011) وغيرها من الحروب فحسب، بل انخرطت أيضا بكثافة في الحرب الليبية والحرب السورية، مما خلق كارثة إنسانية نادرا ما نراها في جميع أنحاء العالم. لقد تسببت الولايات المتحدة المثيرة للحروب في إلحاق ضرر مباشر وخطير ودائم بحق السكان المحليين في الحياة والبقاء.

الأول، شن الحروب بشكل عشوائي في انتهاك للقانون الدولي. وكانت حرب أفغانستان وحرب العراق أكبر حربين تشنهما الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والمناطق المحيطة به، مما تسبب في كوارث مروعة لحياة وظروف معيشة شعبي البلدين.

وأشار مشروع تكاليف الحرب التابع لجامعة براون إلى أن أكثر من 174 ألف شخص لقوا حتفهم بشكل مباشر في الحرب في أفغانستان، منهم أكثر من 47 ألفا من المدنيين.

وفقا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، أجبرت الحرب التي استمرت قرابة 20 عاما في أفغانستان 2.6 مليون أفغاني على الفرار إلى الخارج وشردت 3.5 مليون آخرين.

في عام 2003، تجاوزت الولايات المتحدة الأمم المتحدة وانتهكت مبدأ القانون الدولي الأساسي المتمثل في حظر استخدام القوة لإطلاق حرب العراق متذرعة بأعذار واهية ملفقة، لتشن عدوانا على العراق.

ووفقا لقاعدة بيانات “ستاتيستا”، وهي قاعدة بيانات إحصائية عالمية، من عام 2003 إلى عام 2021، لقي حوالي 209 آلاف مدني عراقي حتفهم في الحروب والصراعات العنيفة، وأصبح حوالي 9.2 مليون عراقي لاجئين أو أجبروا على مغادرة وطنهم. وشنت الولايات المتحدة حروبا في منطقة الشرق الأوسط وأماكن أخرى، مما قوض بشكل خطير حق شعوب المنطقة في الحياة والبقاء.

الثاني، الدوس على القانون الدولي وقتل المدنيين الأبرياء بشكل عشوائي. من أجل تحقيق أهدافها العسكرية الخاصة، لا تكترث الولايات المتحدة بحياة المدنيين في البلدان الأخرى.

أولا، هاجمت الولايات المتحدة مرارا وعشوائيا المدنيين في منطقة الشرق الأوسط وأماكن أخرى.

في 12 أغسطس 2005، أطلقت مركبة دورية مدرعة أمريكية النار على أشخاص كانوا خارجين من مسجد في مدينة الرمادي بالعراق، مما أسفر عن مقتل 15 عراقيا، بينهم ثمانية أطفال، وإصابة 17 آخرين بجروح.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، فتحت القوات الأمريكية المتمركزة في العراق النار على مركبة مدنية في شمال بغداد، مما أسفر عن مقتل أسرة مكونة من خمسة أفراد، بينهم ثلاثة أطفال. واتهمت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة الجيش الأمريكي بشن هجمات عشوائية في سوريا والتسبب في سقوط ضحايا مدنيين وإظهار استخفاف متهور تجاه العواقب التي تشكل جرائم حرب.

وأشار تقرير للأمم المتحدة صدر في سبتمبر 2019 إلى أن العديد من الغارات الجوية التي نفذها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في أماكن مثل سوريا “لم تتخذ الاحتياطات اللازمة للتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين”.

ثانيا، استخدمت الولايات المتحدة الضربات الجوية على نطاق واسع لتنفيذ ما يسمى بعمليات “مكافحة الإرهاب”، التي غالبا ما أدت إلى قتل المدنيين “عن طريق الخطأ”، وإصابة الأبرياء، وحرمانهم تعسفا من الحق في الحياة.

وذكرت صحيفة ((نيويورك تايمز)) أنه بناء على تحقيق في وثائق سرية لوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، تسببت الغارات الجوية الأمريكية المتكررة في سوريا في سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين بسبب “نواقص استخباراتية خطيرة” و”سوء استهداف”، حيث عادة ما يجنح البنتاغون إلى التستر عليها أو عدم المعاقبة حيالها.

وفي عام 2017، شن الجيش الأمريكي ما أسماه “الغارة الجوية الأكثر دقة” على مدينة الرقة السورية. وأشارت مؤسسة “راند” الأمريكية للأبحاث، في تقرير أصدرته، إلى أن العملية العسكرية الأمريكية تسببت بـ38 حادثا موقعة خسائر في صفوف المدنيين، حيث أسفرت عن مصرع 178 مدنيا وإصابة عشرات آخرين. وقدرت بعض جماعات حقوق الإنسان عدد الضحايا المدنيين بنحو 1600 شخص.

في 18 مارس 2019، قتلت طائرات مسيرة أمريكية ما لا يقل عن 64 امرأة وطفلا مدنيا أثناء بحثها عن “جماعات متطرفة” في بلدة الباغوز على الحدود السورية العراقية.

في فبراير 2022، شن الجيش الأمريكي غارة في محافظة إدلب السورية، مما أسفر عن مقتل 13 شخصا على الأقل، من بينهم ستة أطفال وثلاث نساء.

في 29 أغسطس 2021، أسفر هجوم بطائرة بدون طيار شنه الجيش الأمريكي في العاصمة الأفغانية كابول عن مقتل 10 مدنيين محليين، من بينهم سبعة أطفال.

ثالثا، متعاقدون عسكريون أمريكيون قتلوا مدنيين بلا مبرر.

تخول الولايات المتحدة لنفسها توظيف متعاقدين عسكريين لممارسة القمع المهيمن في منطقة الشرق الأوسط، وغالبا ما يفلتون من المساءلة عن أفعالهم غير القانونية والإجرامية هناك.

في عام 2007، نفذ موظفو شركة ((بلاك ووتر)) الأمريكية مجزرة في ساحة النسور في بغداد، أسفرت عن مقتل 14 مدنيا، بينهم طفلان، وإصابة 17 آخرين على الأقل.

في عام 2020، أصدر الرئيس الامريكي دونالد ترامب آنذاك عفوا عن موظفي ((بلاك ووتر)) الذين ارتكبوا جرائم حرب في العراق.

وقال الفريق العامل المعني بالمرتزقة التابع لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في بيان إن هذا الفعل من جانب الحكومة الأمريكية انتهك القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان وكان إهانة للعدالة والضحايا وأسرهم، داعيا جميع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى إدانته بشكل مشترك. وتشكل المذبحة الوحشية التي ارتكبتها القوات العسكرية الأمريكية ضد المدنيين في الخارج بلا شك جريمة ضد الإنسانية.

الثالث، أدت المشاركة غير المباشرة في الحروب إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.

ودأبت الولايات المتحدة على زرع وكلاء لها بشكل واسع في منطقة الشرق الأوسط وأماكن أخرى، وباعت أسلحة بكميات كبيرة، مما تسبب في كوارث إنسانية واسعة النطاق.

لقد انخرطت الولايات المتحدة بكثافة في الحرب في سوريا والصراع الداخلي في ليبيا من خلال دعم وكلاء متعددين، مما تسبب في استمرار الحروب والصراعات المحلية حتى اليوم وتزايد تعقيد الوضع، الأمر الذي يجعل المصالحة السياسية والاستقرار الاجتماعي احتمالا بعيد المنال.

قال مصطفى عبد الجليل، الرئيس السابق للمجلس الوطني الانتقالي الليبي، إن الاضطرابات المدنية المستمرة أدت إلى مقتل العديد من الليبيين، “والولايات المتحدة لا تهتم بعواقب العمليات العسكرية والحروب”.

ووفقا للبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة، أودى التدخل العسكري الأمريكي بحياة ما لا يقل عن 350 ألف شخص في سوريا، وشرد أكثر من 12 مليون شخص، وترك 14 مليون مدني في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية. وقد وصفت الأمم المتحدة قضية اللاجئين السوريين بأنها “أكبر أزمة لاجئين في عصرنا”.

وبينما كانت أفغانستان والعراق لا تزالان غارقتين في الحروب، قررت الحكومة الأمريكية، التي شنت هذه الحروب باستهتار، مرارا سحب قواتها، مع تجاهل تام لأبسط المقومات الإنسانية، ما أدى إلى إدامة الصراعات في تلك البلدان وزيادة تفاقم وضعها الفوضوي.

من خلال تدمير جهاز الدولة الأصلي في العراق بالقوة، أضعفت الولايات المتحدة قدرة الحكومة العراقية على السيطرة ووفرت المساحة والظروف لتوسع الإرهاب.

في عام 2011، سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق بشكل غير مسؤول. واستغلت الجماعات المتطرفة مثل “الدولة الإسلامية” الوضع ونمت بقوة متزايدة. وأصبحت الهجمات الإرهابية العنيفة المتكررة التي تلت ذلك أكبر تحد يهدد أمن العراق والمنطقة.

في أغسطس 2021، سحبت الولايات المتحدة أيضا قواتها بشكل غير مسؤول من أفغانستان، وغضت الطرف مرة أخرى عن سلامة حياة الشعب الأفغاني أثناء الانسحاب، مما أدى إلى العديد من الإصابات المروعة.

 

2. التغيير القسري، والعقوبات الأحادية، والانتهاك الشديد لحقوق الشعوب في التنمية والحياة والصحة

لقد قمعت الولايات المتحدة بشكل عشوائي الدول والمنظمات غير الممتثلة في الشرق الأوسط، وعززت قسرا القيم الأمريكية في المنطقة، من أجل ضمان فرض الأنظمة السياسية والاقتصادية والأمنية العالمية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

ويتمثل هدفها الأساسي في الحفاظ على الهيمنة العسكرية والاقتصادية والمفاهيمية للولايات المتحدة، الأمر الذي أدى نتيجة لذلك إلى تغيير مسارات التنمية المستقلة لبلدان المنطقة وقوض بشدة سيادة البلدان ذات الصلة في الشرق الأوسط إضافة إلى حقوق شعوبها في التنمية والصحة.

الأول، قامت الولايات المتحدة بتخريب الحكومات، وتدخلت في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، وانتهكت سيادة الآخرين وحقوق الإنسان لديهم.

فمن ناحية، بعد نهاية الحرب الباردة، ومن أجل تأمين الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط وأماكن أخرى، شنت الولايات المتحدة حروبا ضد دول ذات سيادة غير ممتثلة في المنطقة للضغط مباشرة من أجل تغيير الأنظمة، ثم زرعت بالقوة “الديمقراطية الأمريكية” وغيرت أنظمة دول المنطقة ومساراتها الإنمائية. والأمثلة الأكثر شيوعا هي غزوها لأفغانستان والعراق في عامي 2001 و2003 على التوالي للإطاحة بالحكومات التي لم تروقها.

ومن ناحية أخرى، لطالما دعمت الولايات المتحدة اندساس المنظمات غير الحكومية والوكلاء في مجتمع الشرق الأوسط، وغيرت مرارا مسارات التنمية في دول الشرق الأوسط عن طريق “الثورات الملونة”.

وباعتباره “بيدقا” و”قفازا أبيض” للحكومة الأمريكية في مساعيها للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى والتحريض على الانفصال والمواجهة، قام الصندوق الوطني للديمقراطية بخدمة المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة من خلال تنفيذ أنشطة اندساس وتخريب طويلة الأجل ضد دول الشرق الأوسط. ودائما ما كان سجله سيء السمعة.

وبدعم مالي مستمر من البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي ومن خلال إطاعة أوامر الحكومة الأمريكية، حرضت المنظمة على ثورات ملونة في مصر واليمن والأردن والجزائر وسوريا وليبيا ودول أخرى من خلال توفير تمويل للأفراد والجماعات الموالية للولايات المتحدة، وكانت العقل المدبر الرئيسي لما يسمى بـ”الربيع العربي”.

تحاول الولايات المتحدة فرض التغيير في بلدان المنطقة وإنشاء أنظمة هشة وتابعة لخدمة هيمنتها العالمية. وقد أدت “صادراتها المؤسسية” القسرية ذات النزعات المعززة للهيمنة إلى شل جهود بلدان المنطقة لاستكشاف مساراتها الإنمائية بشكل مستقل وتسببت في سلسلة من العواقب الوخيمة. وقد أدى تغييرها القسري في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، من بين بلدان أخرى كثيرة، إلى تعطيل النظام السياسي، وتمزيق النسيج الاجتماعي والوطني في هذه البلدان.

ولا تنتهك أعمال الإطاحة بحكومات البلدان الأخرى بالقوة والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى والتصدير القسري لما يسمى بـ”الديمقراطية” المعايير الأساسية للعلاقات الدولية مثل حظر استخدام القوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية فحسب، بل تنتهك أيضا بشكل خطير حقوق شعوب البلدان المعنية في اختيار مسارات التنمية الخاصة بها فضلا عن حقوق الإنسان الأساسية الخاصة بها.

الثاني، أساءت الولايات المتحدة استخدام العقوبات الأحادية ضد دول ذات سيادة، الأمر الذي تسبب بخسائر اقتصادية فادحة وتدهور في نوعية حياة الناس في تلك البلدان. فالولايات المتحدة هي “قوة العقوبات العظمى” الوحيدة في العالم. ووفقا لاستعراض عقوبات وزارة الخزانة للعام 2021، كان لدى الولايات المتحدة أكثر من 9400 عقوبة سارية بحلول العام المالي 2021.

ومنذ عام 1979، فرضت الولايات المتحدة عدة عقوبات أحادية على إيران ودول أخرى. وفي عام 1996، أصدرت قانون العقوبات على إيران وليبيا للعام 1996، والذي يحظر على الشركات الأجنبية الاستثمار في صناعة الطاقة في إيران وليبيا، وتنفيذ ولاية قضائية طويلة الذارع، وهو أمر كان ضرر بالغا وتأثيره بعيد المدى.

ومنذ ذلك الحين، فرضت الولايات المتحدة المزيد والمزيد من العقوبات على إيران. ومارست إدارة ترامب عقوبات وضغوطا قصوى على إيران في محاولة لإحداث التغيير والإطاحة بالحكومة الإيرانية. وقال الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، أثناء توليه منصبه، إن العقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة ترامب كلفت إيران ما لا يقل عن 200 مليار دولار أمريكي في خسائر اقتصادية، واصفا العقوبات الأمريكية بأنها غير إنسانية وعمل إرهابي ضد الأمة الإيرانية بأكملها.

ومن عام 1980 إلى عام 1992، فرضت الولايات المتحدة عقوبات أحادية على ليبيا، ومن عام 1992 إلى عام 2003، أجبرت وشددت على حلفائها توسيع العقوبات الأحادية ضد ليبيا. وقال البنك الدولي إن الاقتصاد الليبي خسر 18 مليار دولار بسبب العقوبات، فيما قدرت تقديرات رسمية ليبية الخسارة بنحو 33 مليار دولار.

وبعد حرب الخليج الأولى، فرضت الولايات المتحدة عقوبات وحشية أحادية على العراق كانت لها عواقب وخيمة. ومن أغسطس 1990 إلى مايو 2003، كلفت العقوبات العراق 150 مليار دولار من خسائر عائدات النفط. وحتى الآن، انخفض دخل الفرد السنوي في العراق عن مستواه في عام 1990 (7050 دولارا).

بالإضافة إلى ذلك، تسببت العقوبات بكارثة إنسانية خطيرة في العراق، حيث تضاعف معدل وفيات الرضع وتضاعف معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة سبعة أضعاف. وفي الوقت نفسه، تم تدمير أنظمة التعليم والصحة والضمان الاجتماعي في العراق، وانخفض معدل الأمية من 89 بالمائة في عام 1987 إلى 57 بالمائة في عام 1997.

وبعد سحب قواتها من أفغانستان في عام 2021، لم تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على أفغانستان فحسب، بل جمدت أيضا مليارات الدولارات من احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي الأفغاني، مما دفع الاقتصاد الأفغاني إلى حافة الانهيار وتدهور حياة الناس. وأشار مسؤولو برنامج الأغذية العالمي إلى أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية على أفغانستان قد أدت إلى تفاقم أزمة الغذاء المحلية، حيث لا يتناول 98 بالمائة من الأفغان كفايتهم من الطعام، ويعاني ما يقرب من نصف الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد.

ومع ذلك، في 11 فبراير عام 2022، وقع الرئيس الأمريكي جو بايدن أمرا تنفيذيا يطالب بتقسيم الأصول المجمدة البالغة 7 مليارات دولار للبنك المركزي الأفغاني في الولايات المتحدة بالتساوي، على أن يتم تحويل نصف الرقم إلى صندوق مخصص لضحايا الحادي عشر من سبتمبر والنصف الآخر إلى حساب بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك “لمساعدة الشعب الأفغاني”، مع توضيح أن الأصول لن تعاد إلى سلطات طالبان. وقد أدان المجتمع الدولي على نطاق واسع نهب الحكومة الأمريكية السافر لممتلكات الشعب الأفغاني بأنه عمل يعكس الهيمنة.

وفي مقال نُشر في مجلة “فورين افيرز”، انتقد دانيال دبليو دريزنر، الأستاذ بجامعة تافتس، إساءة استخدام الحكومات الأمريكية المتعاقبة للإكراه الاقتصادي، إذ أصبحت العقوبات هي الحل الأمثل لكل مشكلة سياسية خارجية تقريبا، وهو أمر لا يجدي نفعا فحسب، بل يفرض خسائر إنسانية أيضا.

فقد أضرت العقوبات الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة على الدول في الشرق الأوسط وأماكن أخرى في نهاية المطاف بالناس العاديين وقوضت بشكل خطير حق البلدان المعاقبة وشعوبها في التنمية.

الثالث، خلقت الولايات المتحدة أزمات إنسانية، مما أدى إلى تقويض خطير لحق الناس في الصحة في البلدان ذات الصلة. وقد دمرت حرب الخليج التي بدأتها الولايات المتحدة، وحرب العراق وما تلاها من صراعات عنيفة الكثير من البنية التحتية للعراق، مما أدى إلى تراجع كبير في قدرة الخدمات العامة في البلاد، ويواجه الناس نقصا في المياه والكهرباء والرعاية الطبية، مما ترك الفقراء والأطفال والأرامل وكبار السن وغيرهم من الفئات الأشد ضعفا يعانون أكثر من غيرهم.

لنأخذ قطاع الصحة على سبيل المثال. بعد حرب الخليج، انخفض مستوى الرعاية الطبية في العراق بشكل ملحوظ. في عام 1990، كان 97 بالمائة من سكان الحضر و71 بالمائة من سكان الريف بالعراق يحصلون على خدمات الصحة العامة. وبعد حرب العراق في عام 2003، فر حوالي 20 ألف طبيب محلي ودُمرت العديد من المرافق الطبية في القتال. ونتيجة للأضرار التي لحقت بمحطات الطاقة ومنشآت معالجة المياه بسبب القصف الأمريكي، ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من أمراض الإسهال أربع مرات مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.

بالإضافة إلى ذلك، عندما شنت الولايات المتحدة حرب العراق، استخدمت ذخائر اليورانيوم المشع بكميات كبيرة، مما تسبب بأضرار جسيمة لصحة السكان المحليين وأحدث انتهاكا خطيرا لحقهم في الصحة.

لقد تغاضت الحكومة الأمريكية عن الانتشار العالمي لجائحة كوفيد-19، ولا تزال تصر على فرض عقوبات أحادية على إيران وسوريا ودول أخرى، مما يجعل من الصعب على الدول الخاضعة للعقوبات الحصول على الإمدادات الطبية اللازمة لمكافحة الوباء.

في عام 2020، قالت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت “في هذا الوقت الحرج، لأسباب تتعلق بالصحة العامة العالمية ولدعم حقوق وحياة ملايين الأشخاص في هذه البلدان، ينبغي تخفيف العقوبات القطاعية أو تعليقها. في سياق الوباء العالمي، فإن إعاقة الجهود الطبية في بلد ما يزيد من المخاطر بالنسبة لنا جميعا”.

ونتيجة للعقوبات، لم تتمكن إيران من استيراد الأدوية الأساسية والمعدات الطبية، مما أثر بشكل خطير على صحة ملايين الإيرانيين.

وتقدمت الحكومة الإيرانية بطلب للحصول على قرض خاص بقيمة 5 مليارات دولار أمريكي من صندوق النقد الدولي لمكافحة جائحة كوفيد-19، لكن الولايات المتحدة منعته. ومنعت الولايات المتحدة أيضا وصول إيران إلى لقاحات كوفيد-19 عبر تجميد الأموال الإيرانية في الخارج وتهديد موردي اللقاحات.

وفي عام 2020، قالت إيران إنها حاولت ثلاث مرات دفع ثمن اللقاحات بموجب كوفاكس، خطة تنفيذ كوفيد-19 لمنظمة الصحة العالمية، لكنها فشلت بسبب العقوبات والقيود الأمريكية.

وفقا لمقال نشره معهد بروكينغز، بدلا من تخفيف العقوبات لمساعدة إيران على إدارة الوباء بشكل أفضل، عمدت الولايات المتحدة إلى فرض المزيد من العقوبات. وقال المقال لو أن العقوبات خُففت عندما ضرب الوباء إيران، لكان من الممكن إنقاذ 13000 شخص.

 

3. خلق “صدام الحضارات” وإساءة معاملة المساجين والتعذيب وانتهاك حرية الأديان والكرامة الإنسانية

لم تُظهر الولايات المتحدة أي احترام لتنوع الحضارات، فقد كانت معادية للحضارة الإسلامية، ودمرت التراث التاريخي والثقافي للشرق الأوسط، وسجنت وعذبت المسلمين بتهور، وانتهكت حقوق الإنسان الأساسية للناس في الشرق الأوسط وأماكن أخرى بشكل خطير.

الأول، قامت الولايات المتحدة بنشر “نظرية التهديد الإسلامي” حول العالم. ودعت إلى تفوق الحضارة الغربية والمسيحية، واحتقرت الحضارة غير الغربية، ووصمت الحضارة الإسلامية بأنها “متخلفة” و”إرهابية” و”عنيفة”.

وباستخدام حادث الحادي عشر من سبتمبر كذريعة، قامت الولايات المتحدة بتضخيم “نظرية التهديد الإسلامي” في العالم، وتضليل الناس عمدا أو حتى تحريضهم على أن يكونوا معاديين للإسلام والتمييز ضد المسلمين، كما أثارت “صدام الحضارات، “من خلال تعبئة الرأي العام واختلاق ذريعة لتبرير حربها العالمية ضد الإرهاب.

وانتشرت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” التي خلقتها الولايات المتحدة في البلاد والدول الغربية الأخرى، مما أضر بشكل خطير بالكرامة الوطنية والصورة الدولية للدول الإسلامية وانتهك الحرية الشخصية وحرية المعتقد الديني للمسلمين.

وبعراقيل من الولايات المتحدة، ظلت الحقوق الوطنية المشروعة والمطالب المشروعة للشعب الفلسطيني دون حل منذ فترة طويلة، ناهيك عن السلام والتنمية وحقوق الإنسان.

الثاني، دمرت الولايات المتحدة التراث الثقافي للحضارة القديمة في الشرق الأوسط. فقد اتبعت الولايات المتحدة المركزية الغربية ودافعت عن “نظرية السلام الديمقراطي” و “نظرية التحول الديمقراطي”، متجاهلة التاريخ الطويل وروعة حضارات الشرق الأوسط.

وبعد أن شن الجيش الأمريكي حرب العراق، تسببت أعماله العسكرية بشكل مباشر في تغيير النظام والاضطرابات الاجتماعية والصراعات المطولة. والأسوأ من ذلك، خلال الغزو والاحتلال الأمريكي، غرقت بغداد، عاصمة العراق، في حالة من الفوضى، وتم نهب 170 ألف قطعة آثرية تبرز جوهر الفن القديم والحضارة السومرية والبابلية والآشورية والمراحل التاريخية الأخرى في المنطقة من متحف العراق، الذي أدرجته اليونسكو كواحد من أكبر 11 متحفا في العالم. وتم تدمير الحضارة البشرية بشكل مأساوي.

وبموجب القانون الدولي، مثل الاتفاقية (الرابعة) المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية وملحقها: اللوائح المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، واتفاقية جنيف، يتعين على المحتل أن يحافظ على النظام الاجتماعي في المنطقة المحتلة.

ومع ذلك، بعد احتلال بغداد، رفض الجيش الأمريكي، بحجة عدم كونه ضابط شرطة، اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب وتجنب التزامه بموجب القانون الدولي بالحفاظ على النظام الاجتماعي. وأدى ذلك إلى أكبر حالة تدمير ثقافي في تاريخ البشرية، وكان ضرره عميقا لدرجة أنه تعارض تماما مع العالم المتحضر الحديث.

وكان نائب مدير المتحف صريحا في اتهامه في عام 2003 بأن الجيش الأمريكي هو المسؤول عما حدث.

بالإضافة إلى ذلك، قامت الولايات المتحدة بقمع وإهانة دول الشرق الأوسط والتنمر عليها، وتقويض الثقة الثقافية للأمم وشعوبها، وتقويض الكبرياء الوطني والثقة بالنفس لدى شعوب الشرق الأوسط.

الثالث، قوضت إساءة معاملة السجناء وتعذيبهم بشكل خطير حق المسلمين في الكرامة الإنسانية. ومنذ أن شنت الولايات المتحدة حربها العالمية على الإرهاب، كانت فضائحها في هذا الصدد مع السجناء المسلمين تُسمع طوال الوقت.

ووفقا لتقرير صادر عن مشروع تكاليف الحرب بجامعة براون، في أعقاب هجوم 11 سبتمبر، دبرت الولايات المتحدة نظاما من المواقع السوداء في 54 دولة ومنطقة على الأقل في جميع أنحاء العالم تحت ستار “مكافحة الإرهاب”، بمشاركة مئات الآلاف من الأشخاص، بمن فيهم مسلمون ونساء وأطفال.

وفي وقت مبكر من عام 2003، قام الجيش الأمريكي، في انتهاك خطير للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بإساءة معاملة المحتجزين بشكل صارخ في سجن أبو غريب في العراق، حيث تم اعتقال العديد منهم دون سبب وجيه، وأدى ذلك إلى سقوط عدد كبير من القتلى.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأت الولايات المتحدة معتقل خليج غوانتانامو لاحتجاز ما يقرب من 780 “إرهابيا” من الشرق الأوسط وأماكن أخرى، الكثير منهم اُحتجزوا دون توجيه أي تهمة جنائية.

وما زال أكثر من 30 شخصا، من المسنين والضعفاء، في السجن حيث حُرموا من الحرية لفترات طويلة وتعرضوا لتعذيب نفسي وجسدي لا نهاية له.

بالإضافة إلى سوء المعاملة والتعذيب على نطاق واسع في غوانتانامو، قامت القوات الأمريكية بتعذيب السجناء من خلال تدنيس القرآن وانتهاك المعتقدات الإسلامية، بما في ذلك إلقاء المصحف في دورات المياه، وتمزيق القرآن أو حرقه بحجة البحث عن أسلحة، وتعيين حارسات للتجسس على سجناء عراة في الحمامات، الأمر الذي أثار احتجاجات جماعية، بل وتسبب بحالات انتحار جماعية بين المعتقلين.

وفي سبتمبر عام 2021، كشفت وسائل الإعلام عن إساءة معاملة السجناء والسجون من جانب الولايات المتحدة في قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان. وكشفت أدلة من تحقيق المحكمة الجنائية الدولية أن القوات الأمريكية في أفغانستان تجاهلت العدالة الدولية وداست على الأعراف الدولية، وألحقت “التعذيب والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الشخصية والاغتصاب والاعتداء الجنسي” بحق المعتقلين لفترة طويلة، بما في ذلك وضع 30 سجينا على الأقل في قفص، بل وتركت حتى سجناء معذبين ليموتوا في مناطق مخفية وسجناء عراة معصوبي الأعين من بين آخرين.

وتشكل المعاملة المهينة والقاسية للسجناء من قبل الجيش الأمريكي انتهاكا خطيرا لحقهم الأساسي في الكرامة الإنسانية والتزام الولايات المتحدة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان بحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

إن الحقائق تظهر أن الولايات المتحدة قد انتهكت بشكل خطير حقوق الإنسان الأساسية للسكان المحليين في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، مما تسبب بأضرار دائمة وخسائر لا يمكن تعويضها لدول وشعوب المنطقة. وقد تم الكشف عن طبيعة الهيمنة والوحشية والقسوة الأمريكية وخبث سياسات القوة لديها بشكل كامل، وأصبح لدى شعوب العالم فهم أفضل لنفاق وخداع الديمقراطية الأمريكية وحقوق الإنسان الأمريكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى