زيارة غريب إلى باماكو.. الجزائر تفتح مسارا جديدا مع مالي

تانيد ميديا : تتجه العلاقات الجزائرية المالية نحو مرحلة جديدة من التقارب والتنسيق، مع برمجة زيارة رسمية للوزير الأول، سيفي غريب، إلى العاصمة المالية باماكو يوم الاثنين 14 سبتمبر، بدعوة من نظيره عبد الله مايغا. وتحمل الزيارة دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، خاصة أنها تأتي في أعقاب استئناف التمثيل الدبلوماسي وفتح المجال الجوي بين البلدين، كما ستشكل مناسبة لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي واستكمال مسار تطبيع العلاقات.
وفي هذا السياق، يصرح وليد عتلم، خبير الشؤون الإفريقية، لـ”الأيام نيوز”، بأن زيارة الوزير الأول، سيفي غريب، إلى العاصمة المالية باماكو تكتسي أهمية سياسية ودبلوماسية كبيرة، بالنظر إلى توقيتها وطبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقات الجزائرية المالية، موضحا أن الزيارة تأتي في أعقاب سلسلة من الخطوات التي عكست وجود إرادة لدى الطرفين لإعادة تحريك قنوات التواصل وطي صفحة التوتر الذي طبع العلاقات خلال الفترة الماضية. ويرى عتلم أن انتقال التواصل بين الجزائر ومالي إلى مستوى الزيارات الحكومية المباشرة يعكس رغبة سياسية في إعادة بناء الثقة وتثبيت الحوار، خاصة أن البلدين تجمعهما حدود مشتركة ومصالح متداخلة تجعل استقرار العلاقة بينهما ضرورة استراتيجية بالنسبة للطرفين، وليس مجرد خيار دبلوماسي ظرفي.
ويضيف وليد عتلم أن أهمية زيارة سيفي غريب تكمن أيضا في أنها تأتي بعد زيارة الوزير الأول المالي، عبد الله مايغا، إلى الجزائر، وهي الزيارة التي شكلت مؤشرا على بداية تحريك المياه الراكدة في العلاقات الثنائية، معتبرا أن الزيارتين تعكسان رغبة متبادلة في الانتقال من مرحلة تبادل المواقف إلى مرحلة الحوار المباشر والبحث عن أرضيات مشتركة. ويؤكد عتلم أن استئناف التمثيل الدبلوماسي وفتح المجال الجوي بين البلدين يمثلان خطوتين عمليتين يمكن البناء عليهما، لأن العلاقات لا يمكن أن تستعيد حيويتها من خلال التصريحات السياسية فقط، وإنما تحتاج إلى إعادة تفعيل أدوات التواصل والحركة والتنسيق بين المؤسسات الرسمية.
ويشير وليد عتلم إلى أن الرسالة التي يحملها الوزير الأول، سيفي غريب، من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، عاصمي غويتا، تمنح الزيارة بعدا سياسيا إضافيا، باعتبار أن الرسائل الرئاسية في مثل هذه الظروف تحمل عادة إشارات تتجاوز البعد البروتوكولي، وترتبط بمستقبل العلاقات وبكيفية إدارة الملفات ذات الاهتمام المشترك. ويعتبر عتلم أن وصول الرسالة مباشرة إلى القيادة المالية يعكس استمرار قنوات الاتصال بين قيادتي البلدين، كما يؤكد أن الجزائر حريصة على إبقاء الحوار السياسي مفتوحا، خصوصا في مرحلة تحتاج فيها العلاقات إلى قدر أكبر من الهدوء والوضوح والقدرة على تجاوز تداعيات المرحلة السابقة.
ويؤكد وليد عتلم أن الرسالة الرئاسية ينبغي قراءتها أيضا ضمن سياق أوسع يتمثل في محاولة إعادة بناء الثقة بين الجزائر وباماكو، على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي مبادئ تشكل عنصرا أساسيا في العلاقات بين الدول الجارة. ويضيف أن الجزائر تنظر إلى مالي باعتبارها دولة محورية في منطقة الساحل وجارا مباشرا، وبالتالي فإن استقرار مالي وأمن حدودها الجنوبية يظلان من القضايا التي تهم الجزائر بشكل مباشر، مشددا على أن معالجة الخلافات لا يمكن أن تتم إلا عبر القنوات السياسية والدبلوماسية والحوار المباشر، بعيدا عن التصعيد الإعلامي أو المواقف التي يمكن أن تعمق سوء الفهم بين الطرفين.
ومن جهة أخرى، يرى وليد عتلم أن الرهان الأساسي بعد هذه الزيارة سيكون في قدرة الجزائر ومالي على تحويل التقارب السياسي إلى تعاون عملي ومستدام، لأن نجاح أي مسار لتطبيع العلاقات لا يقاس فقط بعدد الزيارات واللقاءات، وإنما بما ينتج عنها من آليات واضحة للتعاون. ويشير عتلم إلى أن وجود حدود مشتركة بين البلدين يجعل الملف الأمني في صدارة الأولويات، خاصة في ظل التحديات التي تعرفها منطقة الساحل، وفي مقدمتها النشاط الإرهابي والجريمة المنظمة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، وهي تحديات لا يمكن لأي دولة مواجهتها بشكل منفرد، ما يجعل التنسيق وتبادل المعلومات والحوار بين المؤسسات المعنية أمورا بالغة الأهمية.
ويضيف وليد عتلم أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد الأمني في المرحلة المقبلة، لأن استقرار العلاقات السياسية يمكن أن يوفر أرضية مناسبة لإعادة تنشيط المبادلات التجارية وفتح مجالات جديدة أمام التعاون والاستثمار، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والنقل والبنية التحتية والتجارة والخدمات والتنمية المحلية. ويعتبر أن الجزائر تملك إمكانات وخبرة يمكن أن تستفيد منها مالي في عدد من المجالات، في حين تمثل السوق المالية وموقع مالي داخل منطقة الساحل فرصا يمكن للمتعاملين الجزائريين استثمارها ضمن رؤية اقتصادية متوازنة تخدم مصالح الطرفين.
ويبرز وليد عتلم أن إعادة فتح المجال الجوي بين الجزائر ومالي واستئناف التمثيل الدبلوماسي لا ينبغي النظر إليهما كإجراءات منفصلة، وإنما باعتبارهما جزءا من عملية إعادة بناء تدريجية للعلاقات، لأن عودة الحركة بين البلدين من شأنها تسهيل تنقل الأشخاص ورجال الأعمال والوفود الرسمية، كما تسمح للسفارات والقنوات الدبلوماسية بالقيام بدورها الطبيعي في معالجة الملفات العالقة ومتابعة الاتفاقات والتفاهمات التي قد يتم التوصل إليها. ويؤكد أن إعادة بناء العلاقات تحتاج إلى وقت وإلى خطوات متدرجة، ولذلك فإن الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة يمثل في حد ذاته مكسبا مهما للطرفين.
ويلفت وليد عتلم إلى التأكيد أن زيارة سيفي غريب إلى باماكو يمكن أن تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات الجزائرية المالية، إذا تمكن الطرفان من استثمارها لتأسيس مرحلة جديدة قائمة على الحوار والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل. ويقول إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز الخلافات السابقة، وإنما في بناء آليات تمنع عودة التوتر مستقبلا، وتسمح بإدارة أي اختلاف عبر القنوات الدبلوماسية. ويرى عتلم أن الجزائر ومالي أمام فرصة لإعادة صياغة علاقاتهما على أسس أكثر واقعية وبراغماتية، تجمع بين التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، بما يخدم استقرار البلدين ويساهم في دعم أمن واستقرار منطقة الساحل ككل.
المصدر: https://elayem.news/%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8.



