ردا على رد صمبا تيام على وثيقته :تيار الاصلاح يرد

تانيد ميديا : حين يتحول الخطاب من نقد الوثيقة إلى احتكار الذاكرة: قراءة تفكيكية في مقاربة صمب تيام وزملائه

 

 

 

مقدمة

 

 

 

تأتي هذه المساهمة الفكرية سياقاً وتوقيتاً في إطار التفاعل مع نقاش عمومي يلامس إحدى أكثر القضايا حساسية وعمقاً في التاريخ السياسي والاجتماعي الموريتاني المعاصر. وما يملي هذا التدخل ليس نزوعاً نحو الدفاع عن “الوثيقة” المعروضة على طاولة الحوار الوطني، ولا انتصاراً اصطفائياً لأصحابها، وإنما تحفزه رغبة إبستمولوجية في تفكيك بنية الخطاب السجالي الذي جابهها، وتحديداً كما تجسد في المقالات والتصريحات الأخيرة لصمب تيام وزملائه.

 

 

 

إن الوثيقة، في منطلقها التأسيسي، لم تكن صياغة التفاتية نحو شخص بعينه، ولم تصدر كـ”رد فعل” على مواقف مسبقة، بل تمثلت بوصفها مساهمة نظرية وسياسية تندرج ضمن التحضير للحوار الوطني المرتقب؛ مستهدفة تقديم مقاربة شمولية تروم طي ملفات الماضي عبر آليات العدالة الانتقالية وبناء مصالحة وطنية جامعة. غير أن انزياح خطاب صمب تيام وزملائه نحو جعل هذه المبادرة مسرحاً للمواجهة السياسية والأيديولوجية الحادة، هو ما يشرعن إخضاع خطابه ذاته لأدوات التحليل والنقد المعرفي. بناء على ذلك، لا تتوخى هذه الورقة محاكمة الأشخاص أو تحصين الوثيقة، بقدر ما تسعى إلى تشريح البنية الحجاجية لخطاب صمب تيام وزملائه، واستجلاء مآلاته السياسية والمعرفية.

 

 

 

أولاً: من مناقشة المضمون إلى شخصنة السجال

 

 

 

كان المبتغى المعرفي والسياسي يقتضي توجيه الجهد النقدي نحو المضامين الموضوعية للوثيقة، ومساءلة منطلقاتها الفكرية ومقترحاتها الإجرائية. بيد أن خطاب صمب تيام وزملائه آثر الانحراف عن هذا المسار العقلاني؛ ميمماً شطره نحو توصيف الذوات الحاملة للمشروع بدلاً من تفكيك المادة المعرفية للمشروع ذاته.

 

 

 

فقد تداول الخطاب في توصيفه للمبادرين بالوثيقة نعوتاً من قبيل “الشوفينية” و”العنصرية”، واتهامات بالتهافت على “الفتات” السياسي، وهي أدبيات موثقة في خرجاته الإعلامية الأخيرة. إن هذا الانتقال الاستراتيجي من نقد الأفكار إلى وسم الأشخاص بالنقائص الأخلاقية والسياسية (Ad Hominem) يعكس إشكالية بنيوية؛ حيث لم يعد الاعتراض منصباً على وجاهة الأطروحة، بل على الهوية السياسية لمنتجيها، مما يفقد النقد قيمته التداولية والحجاجية، إذ تقتضي الرصانة الأكاديمية فصل القيمة المعرفية للفكرة عن التقييم القيمي لأصحابها.

 

 

 

ثانياً: غياب الاستهداف المسبق وسياق المبادرة

 

 

 

ثمة مفارقة سياقية جديرة بالتأمل؛ فالوثيقة في نسقها التداولي لم تُصغَ في وارد الرد السجالي على صمب تيام وزملائه، ولم تكن موجهة إلى دائرته السياسية بصفة حصرية، بل تبلورت كجهد اجتهادي ضمن الفضاء العمومي المفتوح، وكأطروحة من بين مقاربات متعددة يفترض أن يتلاقح حولها النقاش في فضاء الحوار الشامل.

 

 

 

وعليه، فإن تحوير مقاصد الوثيقة وتحويلها إلى معركة شخصية قد شوه الطبيعة البنائية للنقاش، واختزل الغاية الأسمى الكامنة في البحث عن استراتيجية وطنية توافقية لتسوية ملفات الماضي، محولاً إياها إلى مناكة ثنائية ومساجلة ضيقة لا تخدم الحقيقة الإنسانية.

 

 

 

 

 

 

 

ثالثاً: مركزية أحداث (1990-1991) وحدود الاحتكار السردي

 

 

 

يظهر خطاب صمب تيام وزملائه تمسكاً راديكالياً بمركزية ملف أحداث 1990-1991، وهو تمسك يجد مشروعيته الأخلاقية والسياسية في حجم الانتهاكات والندوب الإنسانية والاجتماعية الغائرة التي خلفتها تلك الحقبة.

 

 

 

غير أن المأزق النظري يتجلى عندما يستحيل الدفاع عن مشروعية هذا الملف إلى أداة إقصائية ترفض إدراج أي مظالم وطنية أخرى ضمن نسق العدالة الانتقالية، وكأن الاعتراف بآلام الآخرين يشكل خصماً من الرصيد الرمزي أو الحقوقي لضحايا تلك المرحلة. إن فلسفة العدالة الانتقالية في أبعادها الكونية لا تتأسس على المفاضلة التراتبية بين الضحايا، ولا على تصنيف المآسي الإنسانية، بل تقوم على شمولية الاعتراف والإنصاف لكل من ناله حيف الدولة، بغض النظر عن خلفيته الإثنية أو الحقبة الزمنية التي تعرض فيها للظلم.

 

 

 

رابعاً: احتكار المفهوم وسلطة الذاكرة الحصرية

 

 

 

من الظواهر اللغوية والسياسية البارزة في هذا الخطاب نزوعه نحو احتكار المصطلح والذاكرة معاً؛ حيث يُصادر مفهوم “الإرث الإنساني” اصطلاحياً ودلالياً ليصبح حكراً على أحداث 1990-1991، وعلى المكون الاجتماعي المرتبط بها، حتى ليكاد المفهوم ينخلع عن مرونته النظرية ليتحول إلى اسم عَلَم جامد.

 

 

 

هذا الاحتكار السيميائي والاصطلاحي لا يستند إلى أي مسوغ قانوني أو معرفي؛ فالإرث الإنساني، كمفهوم مستقر في أدبيات العدالة الدولية، يستوعب كل الانتهاكات الجسيمة التي تركت جروحاً غائرة في الذاكرة الجمعية للوطن، ولا يمكن حصره في برهة زمنية معينة أو حكره على فئة دون أخرى. إن المطالبة بإنصاف مظلومية محددة حق أصيل، لكن تحويل المفهوم الجامع إلى ملكية فئوية يفضي حتماً إلى “خصخصة الذاكرة الوطنية”، وإقصاء المظالم الموازية من الفضاء الرمزي والسياسي الذي تتبلور فيه قيم العدالة.

 

 

 

خامساً: إشكال المرجعية الحقوقية وتناقضات الخطاب

 

 

 

يثير خطاب صمب تيام وزملائه إشكالاً إبستمولوجياً يتعلق بمدى انسجامه مع المبادئ الكونية للخطاب الحقوقي. فالأدبيات الحقوقية التأسيسية تنهض على ركائز قطعية: شمولية الدفاع عن الضحايا دون انتقائية، الحياد المعرفي في توصيف الأحداث، رفض احتكار السرديات، والاندفاع الشجاع نحو آليات التقاضي العلنية والمستقلة.

 

 

 

بيد أن التفكيك البنيوي لخطاب تيام يبرز توتراً حاداً بين هذه المبادئ الكونية وآليات اشتغاله الواقعية؛ حيث يتمركز الخطاب حول ملف أحادي بوصفه المحور الحصري للمظلومية، مقابل تهميش المظالم الأخرى أو النظر إليها كعناصر مزاحمة. كما يلاحظ انكفاء الخطاب عن تبني “المكاشفة العلنية الشاملة” – الآلية الأكثر نجاعة في تجارب العدالة الانتقالية الدولية – نحو مقاربات تسووية مغلقة تُدار وراء الكواليس السياسية، مما يعيد إنتاج أزمات الماضي بدلاً من تجاوزها.

 

 

 

فقد أثبتت التجارب التاريخية أن التسويات الفوقية غير الشفافة تظل هشة وسرعان ما تنفجر عند أول منعطف سياسي.

 

 

 

ومن هنا يبرز سؤال المنهج: هل نسعى إلى معالجة هذه الملفات الوطنية الحارقة عبر مؤسسات مستقلة تضع المجتمع كله أمام مرآة الحقيقة، أم نركن إلى تسويات جزئية ومؤقتة تظل قابلة للاستدعاء السجالي؟

 

 

 

سادساً: العدالة بين الشمولية والانتقائية النفعية

 

 

 

تتولد عن هذا الطرح حزمة من الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن القفز عليها: من أين يستمد صمب تيام وزملاؤه الحق الأخلاقي أو السياسي في الاعتراض على حق موريتانيين آخرين في بسط مظالمهم التاريخية؟ وعلى أي أرضية حقوقية يؤسس هذا المنع؟

 

 

 

 

 

 

 

بصفتهم حقوقيين؟ إن الرسالة الحقوقية، في بنيتها العميقة، تتنافى مع الانتقائية والتمييز؛ فليس من مشمولات الفاعل الحقوقي منح صكوك الكلام لفئة ومصادرتها من أخرى، بل واجبه ينحصر في تمكين كل إنسان من عرض دعواه والاحتجاج لكرامته. الحقوقي لا يمتلك حصرية المعاناة، بل يدير فضاءات التمكين للوصول إلى العدالة المشتركة.

 

 

 

• أم بصفتهم سياسيين؟ إن الفاعل السياسي – لا سيما من يقودون مشاريع حزبية ويتطلعون للشرعية القانونية والشعبية – يُفترض فيه أن يتبنى خطاباً إدماجياً يستوعب التعددية، ويسعى لتوسيع مشتركات الاعتراف الوطني، لا تضييقها؛ واجبه أن يمنح الفضاء لكل الموريتانيين لتثمين آلامهم، لا أن يوزع صكوك الأهلية السياسية وفق معايير فئوية

 

 

 

• أم يتحدثون بوصفهم مفوضين غير معلنين؟ إن كان كذلك، فإن الشفافية تقتضي إعلان هذا الموقع الإداري، لأن الدولة وحدها هي التي تتولى المسؤولية التنفيذية لإدارة السلم الأهلي والملفات السيادية.

 

 

 

إن القواعد المستقرة في الفكر القانوني والحقوقي المعاصر تؤكد أن الحق في التقاضي، وعرض المظالم، والمطالبة بالإنصاف، هي حقوق طبيعية أصيلة لصيقة بالصفة الإنسانية والمواطنة، ولا تخضع للمساومة أو الشروط المسبقة، كما لا ترتبط بمدى القبول القبلي بصحة الادعاء؛ فالمؤسسات الحقوقية لا تصادر حق الأفراد في الشكوى، بل تترك أمر التمحيص لآليات العدالة وإقامة الدليل الموضوعي.

 

 

 

فالشرائع الدينية والقوانين الوضعية تتطابق على كفالة حق طلب الإنصاف لكل من استشعر الحيف. ومطالبة أي مكون وطني بحقوقه لا تشكل طعناً في كينونة الوطن، بل – متى التزمت النزاهة والموضوعية – الرافعة الأساسية لتصحيح الانحرافات البنيوية وترسيخ دولة القانون والمصالحة الحقيقية. إن العدالة لا تتحقق بإسكات الأصوات، بل بتوسيع الآفاق للإصغاء إليها جميعاً، وإخضاع كافة الادعاءات لميزان الحقيقة والوقائع، فالقانون كفيل برعاية الحقوق لا بمصادرتها ابتداءً.

 

 

 

خاتمة

 

 

 

ليست المعضلة في “وثيقة” أو في الواقفين وراءها، بل إن الأزمة أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة تصور حول ماهية العدالة الوطنية.

 

 

 

إن الخطاب الذي يختزل الذاكرة التاريخية في تجربة أحادية، ويحمل نزوعاً احتكارياً للمفاهيم، وينتقل من مناقشة الرؤى إلى تصنيف الذوات وتجريحها، هو خطاب يساهم في تضييق أفق المصالحة وتجفيف منابع السلم الأهلي.

 

 

 

إن العبور نحو مصالحة وطنية ناجزة ومستدامة لا يمر عبر احتكار الألم، ولا تراتبية المعاناة، بل يتأسس على الاعتراف بآلام الجميع، وإخضاع كل الملفات لمعيار قيمي وسياسي واحد: معيار المواطنة الدستورية، والعدالة الانتقالية الشفافة، وسيادة القانون.

 

 

 

عندئذ فقط، ينقلب الحوار الوطني من حلبة للتنافس على احتكار المظلومية، إلى فضاء رحب لبناء ذاكرة وطنية مشتركة تتسع لآلام الجميع وتؤسس لآمالهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى