ندية الشرق و حداثة الغرب: الملحمة الكورية التشيكية في فجر المجموعة الأولى…

تانيد ميديا : في ثاني مباراة المجموعة الأولي من كأس العالم 2026 ، حيث تلتقي أروقة التاريخ بحسابات المستطيل الأخضر، صنع منتخبا كوريا الجنوبية والتشيك لوحة كروية نابضة بالتناقضات الجميلة.
لم تكن مجرد مباراة لحساب المجموعة ، بل حواراً متجدداً جمع بين مدرستين: شرق آسيوي يؤمن بالانضباط العسكري والاندفاع الحديدي، وأوروبي وسطي يمجد البناء المنهجي واللمسة الفنية المتقنة.
خرج أبناء “النمور الآسيوية” مرتدين قمصانهم الحمراء الزاهية، لون الحياة والشجاعة في الموروث الكوري، مستلهمين رمزية “تانغون” (مؤسس الأسطورة الكورية) الذي ولد من دبابة ونمرة، ليجسّدوا على أرض الملعب قسوة النمر ودهاء الدب. شورتاتهم الزرقاء زرقة سماء علمهم الوطني كالصفاء، وجواربهم الحمراء توحي بالإتساق الناري.
في المقابل، ارتدى “الفرسان التشيكيون” قمصانهم البيضاء الناصعة كرمز للسلام والحلم البوهيمي، مستذكرين ألقاب حقبة تشيكوسلوفاكيا الذهبية (1976 بطلاً لأوروبا). الشورت النظيف الناصع البياض يقطر عرَق التاريخ، أما الجوارب بخطوط الزرقاء فتحيل إلى انضباط “المدرسة التشيكية” التي أنجبت نيميتشكا وتشيك.
في الدقيقة التاسعة من الشوط الثاني، وبينما كانت الجماهير تلملم أنفاسها عقب شوط أول نديّ، اخترق الوسط التشيكي يان كوبيك منطقة الجزاء الكورية بارتماءة غامرة، متلقياً تمريرة مقطوعة من الدفاع. سددها يسارية أرضية، لم يلمسها الحارس الكوري كيم سيونج-جيو إلا بطرف قفازه، لكن الكرة استقرت في الشباك. 1-0 للتشيك.معلنة تقدما عكس التيار.
كان الهدف المبكر مرآة للجرأة الهجومية التشيكية التي لم تنتظر استقرار المباراة،
بل انقضت كالصاعقة مستغلة لحظة تشتت دفاعي كوري بعد الاستراحة بين الشوطين .
هذا ما يميز المدرسة التشيكية: التوقيت المثالي والاستعداد للانقضاض قبل أن يرتب الخصم صفوفه.
لكن “الشياطين الحمر” لم يصابوا بالارتباك.
هنا تجلت القوة الدفاعية الكورية بعصبها الحديدي، حيث قاد قلب الدفاع كيم مين-جاي (الملقب بـالوحش ) زملاءه في تنظيم متقن، رافعاً خط الوسط والدفاع بالتوازي، مانعاً التشيك من استغلال المساحات خلف الظهور.
الندية ظهرت واضحة في الدقيقة 68، عندما شن المنتخب الكوري هجمة مرتدة خاطفة بدأت من اعتراض دفاعي ذكي. مرر الأيسر( لي كي-جيه )كرة طولية ل(أوين جيون-هو)، الذي روضها على صدره قبل أن يطلقها صاروخية من على حدود المنطقة. 1-1.
وبالتالى بانت جرأة هجومية كورية غير متوقعة،
إذ انقلب منتخب “النظام والالتزام” إلى كيان هائج يبحث عن الخروج بالفوز لا ليس مكتفيا بتعادل يتيم .
في الدقيقة 84، وبعد ضغط كوري جنوبي متواصل، نفذ البديل( هوانغ هي-تشان )ركلة ركنية ذكية ليجد رأس زميله (جو جيو-سونغ)، الذي حولها ببراعة داخل المرمى. 2-1 للمنتخب الكوري، ليقلب تأخره إلى فوز ثمين.
لم يأت هذا الانتصار من فراغ؛ إنه نتاج الانضباط الفني للمدرسة الكورية التي تمزج بين الالتزام التكتيكي (الوارث من المدربين الألمان والاندفاع الآسيوي المقاتل. في المقابل، كانت المدرسة التشيكية مثالاً للندية الفنية: بناء هادئ، تملك للكرة (55% استحواذ)، لكنها افتقرت للشراسة القاتلة في الثلث الأخير من الملعب .
بهذا الفوز، أعلنت كوريا الجنوبية أنها لم تعد مجرد ضيف عنيد في المحافل العالمية، بل صانعة للفارق.
وخرجت بالنقاط الثلاثة خلف المكسيك المستضيفة للمونديال بالشراكة مع كندا وأمريكا
أما التشيك، فرغم الهزيمة، أظهروا أن مدرستهم لا تزال تنجب فرساناً يعرفون كيف يسجلون أهدافاً مبهرة، لكنهم يحتاجون لإعادة شحن الصلابة الدفاعية التي ميزتهم في تسعينيات القرن الماضي.
في مباراة جمعت بين الرمزية التاريخية والحداثة التكتيكية، كانت كرة القدم هي الفائز الأكبر، والمجموعة الأولى وعدت بعنفوان لا ينتهي.
بقلم محمد سالم ولد خليه



